أمسية يناير 2026

في مستهل فعاليات العام الشعري الجديد، أقامت دارة الشعر العربي بالفجيرة السبت 17 يناير، أمسية شعرية ضمت الشاعر الإماراتي أحمد العسم، والشاعر العماني حسن المطروشي، والشاعر المصري حسن عامر، وأدارت الأمسية الشاعرة السودانية مناهل فتحي.

في الأمسية التي حظيت بحضور واسع من جمهور الشعر العربي ولفيف من المثقفين والكتاب في الفجيرة، ألقى الشاعر أحمد العسم عدة قصائد تنوعت بين الفصيح والشعبي، ومنها:
أعدك يا ساهر الليل
بفتح الباب ومفتاح العودة
بوصل مميز في هدوئه ودفئه
بالحب والمودة الأكثر حميمية
بحرية الرأي سأضعها أمام الباب للاطمئنان
سأهديك يا ساهر الليل..
حتى تعود!

فيما تألق الشاعر حسن المطروشي، مزاوجًا بين القصيدة التفعيلية والعمودية، ومما ألقى:
من مقلتيها حروب الأرض تبتدئُ
وفيهما أُحرقُ الدنيا وأنطفئُ

أومأتُ للريح لا تدنو لشطهما
فثمَّ قلبٌ على الماءين يتكئُ

هذا الهواء جحودٌ لا يُصدِّقُني
إن قلتُ لاحت لعيني فيهما سبأُ

فيما كان ختام الأمسية مع الشاعر حسن عامر، الذي أنشد للتجربة الإنسانية المفعمة بالمآسي والمشي الطويل وحكمة المشاوير والآلام:
عمَّنْ تفتِّشُ
في صحراءَ فارغةٍ إلا من الخوفِ؟!
وَهمٌ ما تشاهِدهُ
وموعدٌ في غموضِ الرملِ ملتبسٌ
هذا السرابُ الذي سرًا تواعِدُهُ
وكلُّ شيءٍ قليلٌ في حقيقتِهِ،
وضائعٌ كلُّ شيءٍ أنتَ وَاجِدُهُ
فاتركْ لهم فتنةَ الأحداثِ،
مكتفيًا بالموتِ وحدكَ
من معنًى تكابِدُهُ

الندم المبتسم .. تلويحة محبة لوديع سعادة | محمد مركح

محمد مركح

شاعر وكاتب سوداني

علاقتي بوديع سعادة ليست علاقة قارئ بشاعر، ولا علاقة شاعر بشاعر؛ هي علاقة في صميمها تجمع بين يتيمين. فارتباطي بشعره لا صلة له بدوره وقيمته في تثوير النَّصِّ الشعري الحديث والانفلات به عن مداراته التقليدية، بل لأن هذا الشاعر بالتحديد أعود إليه كلما تذكَّرتُ جسدَ أبي ممدَّدًا على طاولة خشبية، وجرحًا يمتد من أعلى صدره إلى أسفل بطنه، ويأخذ شكل الصليب. تلك العودة شكل من أشكال «الندم المبتسم» الذي يجعل من «قصيدة جميلة تُنسينا أو تجعلنا نسامح كربةً قديمة»، وما بين القوسين لـغاستون باشلار.

 

كل الشعر الذي قرأته بعد ذلك كان لاستيعاب ذلك المشهد، ولفهم ما حدث لي في تلك اللحظة المربكة والمعقَّدة. الشعر لم يكن مستحيلًا بعد غياب أبي، بل ممكنًا أكثر من أي وقت مضى، وبالأخص لو كان لشاعر مثل وديع سعادة، والذي تعلَّمتُ منه في بداياتي الشعرية كيفية تحويل الحزن الكامن في هديل الحمام إلى كلمات، وأنا أعاين افتقادي لحضور أبي عند كل صباح.

 

أكتبُ عن وديع سعادة لأحتفي بحميمية الخسارة ودفء الحسرة الرقيقة، بالشعر الذي يبعث في الأحاسيس الأصيلة دفقات هادرة من الخيال الخصب:

«سأذهب إلى الغابة مع الحطَّابين

وبفأس دهشتهم

أقطع أحلامي وألقيها في النار.

يقول الحطَّابون:

اليابسُ يُقطع».

سألني صديقي قبل أكثر من عشرة أعوام عن جدوى الشعر؛ وقتها تعثَّرتُ في صياغة ردٍّ مناسب، ووجدت أن التحذلق والتلفيق سيتخلَّلان أي إجابة تبدِّد ريبته وشكَّه، فالشعر وقتها لم يتجاوز كونه نشيجًا طفوليًا على صدر اللغة. لو سألني الآن سأصمت أيضًا، وسأمنحه دواوين: «رتق الهواء»، و«غبار»، و«المياه المياه»، و«مقعد راكب غادر الباص»، و«بسبب غيمة على الأرجح». سأترك مهمة الإجابة لوديع سعادة؛ فهو شاعر لا يجيد الادِّعاءات والتنظير، فقط يكتب شعرًا خالصًا يحلبه من ضرع مخيِّلة فائرة، شعرًا يلتحم بفداحة تجربتنا على هذا العالم. هو شاعر يقدِّمُ الشعر كما نحتاجه، الشعر كما نفتقده.

 

من وديع سعادة أدركت أن قصائدنا نكتبها لآباء لا يوجدون، آباء غادروا وتركوا خلفهم أبناءً يتفاقم بداخلهم اليتم والوحدة والشجن:

«لماذا أتذكَّرُ أبي الآن؟

كنتُ طفلًا حين أوصلته إلى القبر

لكنهم كانوا ينظرون إليَّ

وكان من اللياقة أن أشيخَ أمامهم».

ينطلق وديع سعادة في هاجسه الشعري من ممكنات الاحتراق وخيارات الاشتعال، يكتب بذاكرة متفحِّمَة تؤسِّس لكينونة تخترع الرماد أبجدية، وتستعيد تجربتها في حفلة الشواء الكوني بكامل الحفاوة:

«حين ودَّعتُه لآخر مرة

كان ذلك على الشاطئ

ثم تصاعد من بيتنا دخانٌ كثيفٌ

وكان للدخان رائحة لحم محروق

وصار أبي هيكلًا عظميًا أسود

صعدتُ وألقيتُ نظرة أخيرة على فحمه

مضيتُ حاملًا وحدي حطب الحياة».

وديع كائنٌ هشٌّ يرفض الشعر الذي يقترح ذاتًا بطولية ومتضخِّمة، يرفض مهمَّة تستعير وجودها الباهت في نصّ ممتلئ بالركاكة؛ فالنص الذي لا يبرِز توعُّك الروح، والتهاب الوعي، وتعرُّق الجسد، ينعرج بالقصيدة إلى مأزق الفصاحة الساذجة. لا بدَّ للشاعر من امتلاك ديناميت يفجِّر به اللغة، ويبعثر أناقتها المزعومة، بتوريطها في الحضيض، والمهمَّش، والمرفوض، والمهمل، لتنخرط بشكل جدِّي مع هذا العبث واللاشيء، وتعترف بمدى تفاهة وخِفَّة سلطتها على حضور احترق بالغياب. الشعر عنده كتابة تحت درجة حرارة عالية من السخط لإنقاذ نفسه من حالة التلبُّس بفضيحة الحياة:

«أعترف الآن أنِّي اخترعت أكاذيب كثيرة من الكلمات

ما قلته وما كتبته لم يكن سوى كذب

ابن لقيط لمخيِّلَة مجنونة

ما قلته وكتبته كان خيانة لبراءة الكلمات

هذه التي أطالبها بالبراءة

وأمارس العهر معها

لقد ظلمتُ الغيم

وظلمتُ ريش الطيور ونشارة الخشب

ظلمتُ الشجر حين قلتُ يثمر من النظرات

والجبال إذا ألبستها أقدامًا

وظلمتُ الموتى حين أعدتُ عظامهم إلى الحياة،

والحياة حين أعدتُها إلى الموتى».

نصوصه تشهق بالمخيِّلَة وتنغرز عميقًا في الشعور:

«نتسلَّقُ ضحكاتنا

لأن صراخنا شاهقٌ جدًا».

فالشعر الحقيقي هو الذي يقودك بإصرار إلى اللا-وجه واللا-اسم، الذي يفضح عُريكَ من رداء محاكٍ برشاقة السقوط، لتنتصب عاريًا دون ملامح:

«نزلتُ آخر نقطة. كنتُ في غيمةٍ ونزلتُ.

هل أنا الباحث عن شخص ذائب أم أنا الذائب؟

أم أنِّي، من كثرة البحث عن ذوبانه، ذبتُ مثله».

الشعر صيرورة تتراوح بين الطفولة والموت، باعتبار أن الشعر لا يتحقَّق شرطه الجمالي إلا بمجابهة الذات. الطفولة بصياغة قراءة جديدة للمفهوم البارتي، نسبة إلى الناقد الفرنسي رولان بارت «الكتابة من درجة الصفر»، باقتراح الكتابة ببراءة البدايات، وليس كما وقر في خلد البعض بابتدار الكتابة دون تحيُّزات ومضمرات مسبقة. فالشعر موقف من الوجود لا يتأسَّس على فراغ، بل ينهض من وعي يكتنز رؤية شاملة وإدراكًا كليًّا. والموت، كحقيقة حتمية ونهائية، لا تجدي معها أنصاف الحلول، بل محفِّزًا يستنفر مكنون التجربة الشخصية، ويتمّ التصالح معه بصدق الأجوبة؛ فالشعر في جوهره افتتاح للتساؤلات. هنا يطلُّ الغياب كتساؤل مركزي في مشروع وديع سعادة الشعري، ويَسِمُ الكثير من نصوصه، ويأتي ديوانه «نص الغياب» شاهدًا على هذا الهاجس الوجودي:

«أمدُّ إشارات يدي إلى الأصوات التي صارت بعيدة،

وأعيدها إلى الحنجرة.

أفرش لها قميصًا تحت صوف الهندباء،

وأنام قربها.

في هذا المكان الضيِّق،

 حيث يلعب النيام والموتى الورق،

ويتبادلون الأدوار».

للغياب في شعر وديع سعادة أكثر من صورة؛ فمرَّةً يكتب عن غياب المكان:

«ويقول الذين بقوا في القرية

أن كلبًا غريبًا كان يأتي كل مساء

ويعوي أمام بيوتهم».

ومرَّةً أخرى يأتي كغياب للمعنى:

«من يحبُّ أولاده لا يورِّثُهم صورته

لا يهديهم ذاته

لا يترك لهم ذاكرة

من يحبُّ أولاده يمنحهم النسيان».

كما أن الحزن في شعر وديع أصيل، والخيبة راسخة، فليس مبذولًا للجميع أن يقنعوا بجدوى حزنهم:

«لا أخال الأرض محمولةً إلا

بكثافة الآهات.

……

كل هذه الرياح ليست سوى

آهات بشر».

شكرًا وديع، لأنك بكل هذا الصدق، وهذا الجرح، وهذه اللغة الحارقة التي تمضي مليًّا داخل الروح. لا أملك خطَّة معيَّنة لهذه الليلة سوى الحديث مع امرأة سخية تمنح المساء نايًا يعانق به وجه القمر البعيد، وقراءة نصوصك التي تمنح للمساء إخوة!

شميسة النعماني تزرع الريح قمحًا ولغة | عمر الراجي

عمر الراجي

شاعر وكاتب مغربي

لم يعد سؤال الحداثة في النص الشعري يثير الجدل كما كان في السابق. ذلك أن التحديث بوصفه حالة بنيوية في النص أصبح اليوم يتجاوز الشكل إلى ما هو أعمق. نتحدث اليوم عن سعي جمالي حثيث يروم تحديث الرؤية الشعرية وخلق الأفكار، ويعبِّر عن نضج التجربة التي ينبغي أن تنمو معها قصيدة حديثة تجايل سياقها العام والخاص. كما لم يعد يقتصر مسار التجاوز في الشعر العربي المعاصر على خلق الفارق في الشكل أو صنع قوالب فنية لا تفعل شيئًا سوى التنويع في حركة الإيقاع. بل أصبح هذا التحديث بالأحرى حفْرًا مُضْنيًا في جماليات النص الداخلية، وبحثًا عن “الَّلا مُتاح” من سماء الإدهاش والتأويل والسؤال.

وفي إطار قراءتنا لديوان الشاعرة العمانية شميسة النعماني “سأزرع في الريح قمحي“، والذي يتضمن عشرين مقطوعة شعرية تتنوع فيها الأشكال وتتحد في قيمة فنية واحدة هي السعي إلى التحديث الواعي. يبدو القالب الشعري الغالب تفعيليًّا، وتصبح معه الحاجة إلى الانسجام بين هذا الاختيار الجمالي الحديث وبين مضمون القصيدة الثقافي شرطًا أساسيًّا لا غنى عنه.

“سأزرع في الريح قمحي” للشاعرة العمانية شميسة النعماني مجموعة شعرية تعِدُنا بأمطار غزيرة من القصيد العذب. وتحملنا معها إلى عوالم من الوعي المتقد بالقلق والأسئلة، وتفاصيل عميقة من السرد الشعري الشفيف. إنه سرد محكم يَعِدُ كل مرة بشيء آخر لم يكشف عنه النص في البدايات. ما يجعلنا باستمرار نبحث في التفاصيل عن أجوبة متمنِّعة، ونخفق في كل مرة. لقد أتقنت الشاعرة هذا الأسلوب الذي يلاعب القصيدة بمهارة اللغة وكثافة المجاز، في عالم من الشعر يشي بالغموض وتتخلَّله مساحات واسعة من الأمل الذي تبعثه كما تصف “إلى المفتونين بالحياة”. إلى أولئك الذين يبعثرون الريح والقمح كما شاؤوا، وشاءت لهم الحياة.

“أنا لا أحد” مفتتح من الشعر التفعيلي يجعلنا نقف عند فكرة النفي المقصود للأنا/الذات. وهو بلا شك موضوع جوهري في الشعر الحديث على مستوى العالم ككل. إنه نفي عابر للذات الشاعرة وإثبات لشعريَّتِها في الآن نفسه. وهو في القصيدة نوعٌ من مساءلة العالم عن موقع الذات الإنسانية فيه، وهي التي تضمحِلُ وتتضاءل أمام سطوة الحياة وجبروتها.

“أنا لا أحَدْ،

أنا يأسُ آمالٍ لها جَزرٌ وَمَدْ

أنا صوتُ ريحٍ أرهَقَتْ عَزْمَ الْوَتَدْ”.

هكذا تنفي الشاعرة عنها تهمة الوجود، وذلك ديدن الشعراء في كل العصور. لكن ربط الشاعرة بعد ذلك لحالة النفي والاغتراب الوجودي بعناصر أخرى تمثلها الريح واليأس وحركة المدّ والجزر، يبدو وكأنه إيحاء رمزي مقصود يدل على نوع آخر من التشكُّل الوجودي الذي يمثله النّفَس الشعري. من هذا المنطلق، تنتفي ذات الشاعرة لتتحقق شعرًا. وتذكِّر هذه النزعة باتجاه فلسفي أسَّس له الفرنسي موريس بلانشو في كتابه (الفضاء الأدبي) مُركّزًا على دور الأدب في تفكيك الذات الإنسانية.

“أنا دمعةُ الحزنِ التي شاخَتْ على وجه الحياةِ تجُولُ من خدٍّ لِخَدْ

أنا جمرةٌ المعنى التي انطفأتْ،

ولا سِحْرٌ يُعيدُ الرُّوحَ في جسدٍ هَمَدْ

أنا أبجديَّةُ غائبٍ فرَّتْ إلى الأوطانِ يسألُها الحنينُ عن الْمَدَدْ”.

في هذا المقطع الشعري المكثف تتكشَّف جملة من الأمور التي يمكن الإشارة إليها على شكل ملاحظات رئيسية تميط اللثام عما أسميناه منذ البداية: سعيًا إلى الحداثة الواعية. أولى هذه الملاحظات هي اللغة التي ترتدي ثوبًا من الرموز وترسخ بها الشاعرة خصوصية تجربتها الوجودية. فجمرة المعنى تحيل على مأزق القصيدة ومحنة الأسئلة ومخاض الوصول إلى الأفكار العالية، حيث تشتعل الروح وتقبض الكلمات على جمر الشعر كي تبلغ منه القصيدة أخيرًا أفُقَ المعنى. إنها طاقة شعرية يتجدد فيها الخيال ويمتد إلى ما هو أكبر من الصور والاستعارات الطارئة. في هذا المنحى يصبح الخيال ذا دلالات فكرية تصنع وجودًا فنيًّا يعوض غياب الذات واغترابها في دروب الحياة الحقيقية. هكذا تحضر “الأبجدية” كناية عن اللغة الشعرية وتصبح طاقة الكلمات هي الدليل الذي يرشد الغائب ويعيده بأجنحة الحنين إلى وطنه الغائب في الحياة، وهو الحاضر دومًا في اللغة.

فكرة الوطن هي الأخرى جزء من سعي الشاعرة إلى التحديث بوعي فكري تصبح معه القصائد حمَّالة للمعنى وللهم الفكري الذي يؤرق الإنسان المعاصر. ذلك الإنسان المحاصر بصرخاته وقلقه إزاء الوجود والحياة والواقع المعيش، يومًا بيوم ولحظة بلحظة. ويذكر هذا أيضًا باتجاه فلسفي في الشعر جسَّده إليوت في (الأرض اليباب) حين قدَّم الوطن كرمز عاطفي للهوية الثقافية المفقودة.

“وطني دِثاري” قصيدة في الديوان تعيد تعريف الوطن بما هو أبعد من حدود البداهة وأكبر من المعنى الأرضي للبلاد. الشاعرة في هذا الجزء لا تعرِّف الوطن بما يتيحه لها الواقع من تفاسير جزئية مقتضبة. بل تجعل لهذا الوطن الحقيقي/الرمزي سُلطةً فلسفية على اللغة تطوِّعها الشاعرة جاعلة من المجاز جناحًا تطير به الأخيلة نحو معانٍ أخرى للوطن تتعدد بتعدد الأفكار وتتوحَّد في عذوبة الشعر.

“وطني الذي احتَشَدتْ له الأسماءُ والرؤيا

يصُفُّ النُّور في مُقَلِ النُّسُورِ

يُوزِّعُ الأيام في قِممِ النَّهارِ

وطني حكايا النخلِ وابنُ شموخِها

بيتُ القصيدةِ والوتدْ

وعلى خُطاهُ سُلالةُ الحجرِ القديمةِ أخصَبَتْ ضوءًا

وشبَّ النّاسُ شمع الليلِ

يحتفلون بالوطنِ الذي أسرى إليه الدربُ،

ممتشِقًا رؤى النَّارِ…”.

إنه الوطن الحقيقي الذي يعلو في سماء معناه فيصبح رمزًا ينضح بالأفكار العالية ويضج بالدلالات. هو وطن محتشدٌ بالأسماء وبالرؤيا. وهو بذلك متجدد ومبدع ومستشرف للأفق البعيد. وهو نفسه الوطن من يبعث النور ويمتشق رؤى النار. كل هذه الصفات الماورائية تمنحها الشاعرة للوطن فترتفع سماء التأويل في النص وأفكاره، وتلك سمة حداثية بارزة في الشعر المعاصر. ذلك الشعر المتجاوِز، الذي لا يكتفي برسم ملامح الحداثة في الشكل، بل يفتح بالنص أبواب الرؤى ويصنع من الخيال رؤية الشعراء الخاصة لما يكتبون عنه. نجد هذه الميزة في شعر شميسة النعماني حاضرة بقوة من خلال قراءتنا التأويلية لنصوص الديوان. كما نلمس أيضًا تلك النفحة الحداثية في الرؤية عند شميسة النعماني، من خلال عدد من الجمل الشعرية داخل النص. إنها جمل مترابطة بنيويًّا، تعيد قراءة فكرة الوطن بصورة غير مطروقة. إذ تمزج بين مفهوم الوطن العادي والماورائيات، وتدفع القارئ إلى البحث في دلالة العلاقة بين الشاعر المعاصر وفكرة الوطن. ومن المعروف أن استضافة هذه المفاهيم العامة في الشعر يُعَدُّ سمة مميزة من سمات التحديث عمومًا. لكنه هنا يعتمد في اشتغاله على حِسٍّ واعٍ من الفكر والتحليل، داخل قالب جمالي يحفظ سمو اللغة الشعرية ويصون جمالها.

ويستمر هذا الدفق الشعري الحديث في العبور مُلامسًا حالات أخرى ومساحات غير مطروقة من الإحساس الواعي بصنع الفكرة والانتصار لجمالياتها شِعرًا. من ذلك بحث الشاعرة في قيم إنسانية كونية كقيمة الحب مثلًا. وهو حب لا تستحضره هي من منطلق غزلي مكرور، بل تربطه بعناصر الشعرية نفسها. فالمحبة كما الحُسن يتجليان بتجلي الكون والشعر والكلام.

“أحبُّكَ والبحرُ أنتَ

وأنتَ القصيدةُ عاليةً في بُروج الكلامْ

أحبّك والسِّحر أنتَ

وأنتَ “الصَّبا” في فنونِ المقامْ

أحبُّكَ كمْ يُشْبِهُ البحرُ صوتَك يا سدرةَ الروح يوم التَّجلِّي…”.

وتتضح في لغة هذا المقطع تلك النفحة الحداثية، وهذا الميل نحو ربط قيمة الحب بعناصر أخرى من صلب الشعر، كالقصيدة والكلام وفنون المقام. ولا يتعلق الأمر هنا “بالميثا شِعر” أو الشعر الذي يناقش الشعر، بقدر ما هو اختيار فني مدروس يعرِّف القيم الإنسانية الكبرى بعناصر جمالية فنية فريدة. هكذا يصبح الحُسن والجمال مرادفًا للقصيدة المتَّشِحَة بالسِّحر والعالية في بروج الكلام.

“لأنكِ أنثى

“تمُرّينَ فاتحةً للمواني…

سراجًا لقافيةٍ تتجلَّى

تكونينَ ماءَ المعاني

وأنتِ الحقيقةُ

لولاكِ ما هوَّمَتْ بالغيومِ النَّوارسُ

ما اكتنزَتْ بالحنينِ الحقائبُ

ما أزهرَتْ بالأغاني المزارعُ

ما رفِّ صمتُ الخُزامى وثارْ”.

لا شك أن قضية الأنوثة لا تقف عند عتبات الإبداع، بل هي موضوع يجد أثره في الأبحاث الفكرية والاجتماعية على نطاق واسع. ما تفعله القصيدة هنا هو أنها تربط خصوصية الأنوثة بالأسئلة الوجودية الكبرى، وبعناصر الجمال في الطبيعة، كي تجعل الأنثى شرطًا من شروط الثبات والطمأنينة والاتزان في الكون. وتتقاطع هذه الرؤية مع فكرة الاحتفاء الشعري بالخصوصيات، وبالتركيز على الهوامش الرمزية والمادية. عبر هذا السلم النفسي تحديدًا تكون قصائد الديوان قد ارتفعت إلى مستويات الحداثة الواعية.

وما يمكن قوله في الختام هو أن ديوان “سأزرع في الريح قمحي” يقدم صورة عن الكتابة الشعرية الجديدة والجادة التي تنتصر للتحديث وللقصيدة الحديثة. لا سيَّما تلك القصيدة التي تبتكر أسلوبها وتستند في بنائها على أبعاد ثقافية تعززها الرؤى وتحتفي بها اللغة.

كيف تمكَّنَ الشَّرْقُ من شاعر روسيا الأول “ألكسندر بوشكِن”؟! | عباس ثائر

عباس ثائر

شاعر وكاتب عراقي

ما كانت لحظة عابرة، ولا لذة ثقافية زائلة، ولا حدثًا آنيًّا، في حياته الشعرية، اقترابه من الشرق. بل كان انقلابًا داخليًا وتحولًا ثوريًا عميقًا، أعاد تشكيل رؤيته للشعر وتصحيح نظرته نحو العالم. فمنذ أن أقام قسرًا في مدينة ميخايلوفْسْكويِه، أطل بوشكِن من شرفتها على عالم آخر، عالم يقوده الكَلِم، رَائيًا ما لم يَرَه أو يجده في الغرب: الحكمة، والبعد الأخلاقي المعرفي، والصوت الإنساني، الذي يتخطى الزمكانية.

في تلك السنوات التي عاشها صاحبُنا في مدينة ميخايلوفْسْكويِه المقسور عليها، كان يقرأ القرآن والشعر الفارسي، وهذا الذي مكَّنه لاحقًا من إعادة النظر في معنى الشاعر ودوره، لتنبثق من وحيه الروحي إلى الوجود تجربة شعرية جديدة ثرَّة مغامرة، على هيئة قصيدة، مؤلفة من تسعة مقاطع، كانت أكثر تجاربه إثارة للجدل: «محاكاة القرآن».

لمْ تكن هذه القصيدة ذات النبرة الجديدة على صاحبها ومن يتلقاها، تقليدًا دينيًا، ولا محاولة غريزية لأن تمثل الإسلام من داخله، إنَّما كانت في أصلها قراءة الشاعر لنصٍّ أدرك فيه بلوغَ القوة والجلال أقصى بلوغ. وجد نَصًّا يشفي اللغة من نحولها، ويسرج الضوءَ في الضمير ليوقِظَه. وقد أدرك بوشكِن الفرادة التي أوغل فيها القرآن بصفتها نصًّا لمْ يكُ له كفؤ شبيه، لكنه حين تلقاه قد احتسبه نصًّا أخلاقيًا وشعريًا، وليس نصًّا من “الوحي الديني” وهو ما يوضح قولته في واحدة من رسائله: «أعمل في سبيل مجد القرآن»، ولمْ يقل في سبيل مجد الله، هذه العبارة بيَّنَت المسافة التي حددها “شمس الشعر الروسي” بين الإعجاب الأدبي والاعتقاد الديني.

إن اللافت في قصيدته «محاكاة القرآن» ما يبدو من خلالها أنه لمْ يكتفِ بقراءة القرآن، بل تخطَّى ذلك، إذ يبدو أنه اطَّلع على سيرة النبي، فقد صوَّر صورةً للنبي العربي تقترب ملامحها بعض الشيء من الواقع التاريخي. ومع هذا، فإن هذه المعرفة ما كانت عميقةً بما فيه الكفاية لتكون معرفة «من الداخل» بل هي نظرة القارئ المتفحص المبهور، رأى في النصِّ الذي قرأه درَّةً أخلاقية وروحًا شعرية كبرى، أي أنه أمسك طاقة جبارة فجعل منها مرآة لأسئلته الخاصة. وقد تناست الصحافةُ والإعلام الروسي آنذاك هذه التجربة “البوشكنشرقية” لكنَّ ناقدًا كبيرًا مثل فيساريون بلنسكي التقط صميمها مبكرًا إذ قال: “إن العمل الفني العميق لا يُفهم من القراءة الأولى، بل ينكشف طبقة بعد أخرى، كما تنكشف الكتب المقدسة لقرَّائها مع تكرار التلاوة”.

إنَّ مغناطيس الشرق المعرفي لمْ يتوقَّف عند جذب بوشكِن إلى القرآن فحسب، بل يجد القارئ في شعره -أحيانًا- تتمظهر آثار بيضاء للشاعرين الفارسيين الصوفيين سعدي الشيرازي وحافظ الشيرازي، وعلى الرغم من الافتقار إلى الدليل القاطع على أنه قد اطَّلَع مباشرةً على نصوصهما في ترجمات مبكرة، لكن حضورهما كنسق مضمرٍ في كثير من نصوصه الشعرية لا يخطئه قارئ متفحِّص متأنٍّ؛ فلطالما ذكر اسميهما معًا، واصفًا إياهما «زهرتا الشِّعر الشرقي».

في قصيدته «من حافظ/ معسكر على الفرات»، التي كتبها عندما استقر به الحال في ما وراء القوقاز، قد يبدو التداخل بين التجربة الشخصية والرمز الشرقي ملحوظًا. فإنَّ الحرب في القصيدة لمْ تكن سوى خلفية، بل لمْ تكن إلَّا قناعًا وإن كانت هناك دلالات تشير إلى رفضها لها، كقوله: «لكنِّي أخشى، في خضم المعارك، أن تفقد خجلك الرقيق في الحركات…إلخ»، أما اللُّبُّ الحقيقي فهو الغربة، والاختبار الوجودي، والجمال بصفتها منقذًا وخلاصًا. وحين يذكر ملك الموت عزرائيل في القصيدة ذاتها: «عزرائيل بين السيوف، سيبصر جمالك؛ فيرحمك»، فإنه لا يشير إليه محتسبًا إياه تهديدًا، بل عادَّهُ قوةً خلَّاقةً تُبصِر الجمال فتتراجع عن سحْقِه، مثلما تراجعت المحنة الكبرى أمام جمال ابن يعقوب، يوسف النبي، في الميثولوجيا الإسلامية. وهنا تكمن الحقيقة، عندما يلتقي الشاعر الروسي بوشكِن في شعره مع روح الغزل الصوفي في شعر الشاعر الفارسي الصوفي حافظ الشيرازي، إذ أصبحت القصيدة الغزلية ستارًا وقناعًا لتجربة أبعد وأعمق: إنها الصراع مع الحياة، والصبر، والنجاة.

لكن الأثر الأبعد والأعمق في مسيرته قد ورد من ذي الحكمة المعتقة، الشاعر الفارسي سعدي الشيرازي، الذي وجد «ساشا» فيه عينةً مبهرة فريدة للشاعر الأخلاقي، المتوازن بين الجمال والمعنى. إنَّ حضور سعدي في شعر بوشكِن ما كان اقتباسًا عابرًا أو توارد معنى أو تناصَّ فكرة أو تركيبة لغوية، إنَّما كان حضورَ رؤيةٍ كاملةٍ؛ فقد تردَّد صدى حكمته في أكثر من عمل من أعماله، من «نافورة باخشي سراي» إلى خاتمة «يفغيني أونيغين»، إذ أعاد قوله: «لم يعد بعضهم موجودًا، وآخرون باتوا بعيدين».

أما قصيدة «العنب»، فقد كتب بوشكِن واحدة من أنقى وأصفى لحظاته الشعرية، عندما قارن بين ورد الربيع الزائل وثمر العنب الناضج في الخريف، في مفاضلة طيبة هادئة بين جمال سريع وامتلاء متأنٍّ. يرى بعض النقاد الروس في هذه القصيدة «أنفاسًا من كتابات سعدي»، غالبًا من كتابيه «بوستان وگلستان» لقد نجح وتفوق بوشكِن في مزج الروح الفارسية الكلاسيكية بالبنية الروسية، من دون تقليد واجترار.

حتى قصيدته «محاكاة عربية»، هي تنبع -أيضًا- في أصلها من منابع سعدي، من حكاية له عن الصداقة والحب، إذ يتماهى شخصان ليصبحا «كجوزتين في قشرة واحدة» ولا غرابة في الأمر، فقد زار ابنُ شيراز بغداد، وكتب باللغة العربية -على قِلَّةِ ما كتب- قصيدته الرائية «رثاء بغداد» إثر احتلالها على يد المغول، كما كتب بالفارسية -على كثرة ما كتب-، فكان حقًّا الجسر الأسلم بين ثقافتين، وربما دخان الاحتراق في بغداد وصل إلى بوشكِن عبر قصيدة سعدي، أو من خلال قراءته لسيرته فقرر أن يسمي عتبة النصِّ محاكاة عربية، تيمُّنًا بسعدي الذي رثى بغداد في رائيته.

وهكذا، بين القرآن وسعدي وحافظ، تشكَّل في شِعر بوشكِن شرقٌ آخر، شرقٌ حكيم معرفي ذو سؤال أخلاقي، ليس الشرق الأسطوري النزعة. وقد غيَّر هذا اللقاء مسار صاحبِ “ابنة الضابط” تغييرًا لا رجعة بعده. فإذا كان بوشكِن في بداياته شاعرًا غربيَّ الملامح، فإن سنوات ميخايلوفْسْكويِه جعلته شاعرًا كونيًا، يرى في الشرق مرآةً أخرى للإنسان، وللشعر، وللمصير.

بعد تلك المرحلة، لمْ يَعُدْ الشرق ضيفًا في شعر بوشكِن، بل صار جزءًا من صوته الشعري، وضوءًا في نظرته إلى العالم. وهنا، ربما يكمن سرُّ فرادة مؤسِّس الشعر الروسي الحديث؛ أنه وَجَدَ في القرآن والشاعرين الفارسيين الصوفيين ما يُعيد إليه معنى الشعر نفسه!

العرض الفني: حُجَّة الحق.. عمر الخيام

ضمن مبادرات “صيف الفجيرة”، وبرنامج المخيم الثقافي الصيفي لبيت الفلسفة؛ نظمت دارة الشّعر العربي بالفجيرة ورشة “رسم الشعر: قراءة الشعر عبر الخيال المُصوّر” الهادفة إلى تنمية الخيال عند الأطفال وربطه بالشعر والفنّ والتعبير.

آخَرُ “أحمد بخيت” المُقاوِم | أ. د. أحمد بلبولة

أ. د. أحمد بلبولة

شاعر وأكاديمي مصري

       قدَّمهُ شِعْرُه قبل أن يُقَدِّمه أي أحد؛ فعلى أي شيء كان يراهن أحمد بخيت حين توجَّه بكُلِّيَّتِه إلى القصيدة العمودية ضاربًا صفحًا عن كل أشكال القصيدة الأخرى؟ وهل اتسعت لاستيعاب تجربته؟ هل اختار السهل؟!

    إنَّ من يعرف أحمد بخيت حقَّ المعرفة يعرف أنه يحفظ قصائد كثيرة لرواد الشعر الحر، ويعرف أنه لم يتخذ موقفًا معاديًا من قصيدة النثر. المسألة إذن اختيار، وعلى قارئه أن يتفهَّم هذا الاختيار، ويتقبَّله. لقد كتب هذه القصيدة في وقت كان التجريبُ قد بلغ غايته في الشعر في مصر والأقطار العربية لدى جيل السبعينيات، وكانت القصيدة العمودية كفيلة بأن تُزيحه من الساحة تمامًا، خصوصًا وقد كانت الهيمنة على المنابر الثقافية في تسعينيات القرن الماضي لكُتَّاب الشعر الحر وقصيدة النثر الذين كان جُلُّهم ينظر إلى القصيدة العمودية على أنها حفرية منقرضة، وإلى كاتبيها على أنهم كائنات متكلِّسَة ترفض العصر، وتعيش في الماضي؛ بل تنتصر للصحراء والبداوة على التمدن، لحُداء الإبل على صوت الماكينات في المصانع، وكان الشاعر العمودي في هذا الوقت يعاني غربةً وإقصاءً، وكثير ممن كانوا كتابًا للقصيدة العمودية حاولوا أن يوازنوا فكتبوا الشعر الحر إلى جانب الشعر العمودي؛ حتى يجدوا مكانًا أو مبررًا للقبول، وظل أحمد بخيت مستعصمًا بالقصيدة العمودية، كاتبًا، ومنشدًا، محاولًا أن يشق طريقها من جديد، وفي هذا الوقت ظهرت جائزة البابطين، وفتحت منابر الشعر خارج مصر أبوابها للقصيدة العمودية؛ فصنعت شيئًا من التوازن، نفَّست فيه عن هذه القصيدة المضطهدة التي كادت أن يطويها النسيان.

    ثم في مطالع الألفية الثالثة بدأت الجوائز الداعمة لهذه القصيدة تتوالى في العالم العربي، فصار الشاعر العمودي يولد في مصر، ويتلقى شرعية وجوده بما يحرزه من تقدم في هذه الجوائز أو من تألق على هذه المنابر، وشيئًا فشيئًا حتى ظهر جيل جديد انضم إلى هذا المشهد؛ فشكل سندًا داخليًا، ودعمًا لاستعادة روح تلقي القصيدة العمودية، إلى أن استعادت السيادة مرةً أخرى مع توالي الأجيال، وظهور تكنولوجيا المعلومات، وفق متابعة قريبة لا تحتاج إلى إحصاء.

    وخلال هذه الفترة كان أحمد بخيت طاغيًا في حضوره، وتأثيره ليس على الناشئة في مصر وحدها بل في العالم العربي من المحيط إلى الخليج، وكان الشعراء يتابعون قصائده ويحفظونها، وإن تنكَّروا له وأنكروه، وكان الشعر يأتي من العالم العربي؛ فإذا بضاعتنا رُدَّتْ إلينا، ولا يجب أن يغضب الشعراء من ذلك؛ فالركود الشعري كان يحتاج إلى من يُحرِّكه، ولقد اصطفى الشعر أحمد بخيت في الوقت المناسب، أقول هذا محذرًا الشعراء الشباب من سطوته، وأدعوهم إلى الاحتراز من الوقوع في دائرته المحرقة. فما الذي قدَّمه أحمد بخيت حتى يُحدِث هذا الأثر؟

    إنَّ أحمد بخيت الذي أعرف، ويعرفه غيري، حلَّ المعادلة الصعبة لكن على طريقته؛ فلم يستنسخ تجربة نزار قباني، ولم يقع في أسر تجربة محمود درويش، ولا استسلم لطغيان أمل دنقل شاعر القضية الواضحة -عكس ما يُشاع عنه من غير العالمين بالشعر- بل احتفظ للقصيدة بمعمارها المحكم، وموسيقاها الكاملة، ولم ينزلق إلى فجاجة التجارب، أو يتعمد الإثارة بكسر التابوهات، لا مباشرًا كان ولا مغرقًا في المجاز، بل ملتزمًا بالحقيقة فكرًا وأداءً، بعيدًا عن كابوسية التصوير، واستغلاق الدلالة، وأسلوبية الوهم والتلبيس، خلطة سحرية تقف من ورائها طاقة روحية تنقلها القصيدة فوق ما تقوله في لغة رشيقة سلسة، تهدي حكمتها ناصعة كالوردة الطازجة؛ لذلك فديوانه سجلٌّ حافل بالأحداث التي عاصرها، والتجارب التي عاشها، والتساؤلات التي يطرحها وقته وزمانه، وهو معلم شاعر أو شاعر معلم، صاحب رسالة، لا تقوده قصيدته بل يقودها، وأحيانًا يرغمها على أن تقول ما يريد أن يقول.

    عبر عشرين ديوانًا -أعماله الشعرية الكاملة التي بين يديَّ الآن- يعالج أحمد بخيت قضايا أمته العالقة، يتحدث عن فلسطين، والعراق، وسوريا، وليبيا، واليمن، ومصر، يودِّع الصحراء، ويبشِّر بالماء، يحب البشر، ويهجوهم، ويخاصمهم أحيانًا، ويدير لهم ظهره، وهو مشَّاء في الزمان والمكان، يفحصهما فحصًا دقيقًا، ويرصد رحلة الإنسان فيهما من لدن آدم، يبحث عن بيت يؤيه، وعن أمان مفقود، يبحث عن حب كامل، وصديق كامل، ووطن كامل، يبحث عن الإنسان الكامل، وفي المقابل زاهد يصل زهده أحيانًا إلى رفض الحياة:

ويا ابنَتِيَ اشهدي لأبيكِ

هل أوفيتُ واستوفَيْتْ

هما متران من دنيايَ

للثوبِ الذي أبْلَيْتْ

فهل أنقصتُ من دنياكِ

أم زدتُ اتساعَ البيتْ؟

وربما جاء هذا الرفض للحياة من يقين راسخ لديه يصل إلى أن يكون مفتاحًا لشخصيته الشعرية، يتلخَّص في إحساسه بأن عمره قصير، وإن كان الأمر كذلك فلا بد أن يكون الحضور خاطفًا كالبرق، والأثر هائلًا:

أنا ضيفٌ على الدنيا وأوُشِكُ أنْ أوَدِّعَها

ولدتُ بحضنِ قافيةٍ وأختِمُ رحلتي معها

وغايةُ شهوةِ الكلماتِ أنْ تغتالَ مبدِعَها

الحضور الخاطف الذي يضيء العالم، ويختفي بعد أن عرَّف الناس على النور؛ لذلك قضى أحمد بخيت عمره كله -وقد جاوزَ الستِّينَ الآن- أسيرَ هذا الظهور المتقطع حتى في مشاركاته الشعرية، كأنما في كل ظهور يولد من جديد، ثم يموت ويختفي، كل ظهور حياة، وكل غياب موت، وعمره في كل مرة ثابت، عمر البرق، أو عمر الشِّهاب، وعلى متابعيه أن يحصوا ميتاته وحيواته:

عمَّا قليلٍ سوف أبلغُ موطِني

وأُضيءُ محترقًا كأيِّ شهابِ

    وعلى مستوى الأداء، أحمد بخيت ليس شاعر المانشتات الثورية، وإنما شاعر العقود المتلألئة، تشع أبياته مجتمعة، ويشع كل بيت منفردًا كاللؤلؤة الفريدة، وهو في ذلك يحافظ على الغلالة الشفيفة التي تغلف المعنى دون أن تطمسه، وتحول دون تورطه في المجابهة الصريحة، وتحفظ للأداء انفتاحه على الاحتمال، وهذا هو السر الذي يرتفع بشعره على المناسبة الضيقة ليكون شعر كل العصور، خالدًا ما بقيت العربية، وفي سبيل أن يبقى الأداء مفتوحًا يُمارِس استراتيجيات الكشط المستمر؛ إذ يُهدي -على سبيل المثال- أغلب دواوينه إلى مجهول، يكتفي بوضع نقاط مكان الاسم، غير مصرح باسم أو صفة أو كنية، ونادرًا ما يتورط في الوقائع؛ ليظل الوجود دائمًا وأبدًا، كما يقول مارتن هايدجر، تحت كشطة، وخير دليل على ذلك قصيدته في الحسين رضي الله عنه، وهي شخصية شائكة؛ نظرًا للتشابكات المذهبية، والكتابة عنها بما أحاطها من حضور أسطوري نادرًا ما ينجو من أن يتورط، لكن أحمد بخيت يمشي على الشَّعْرة الدقيقة التي لا تُغْضِب هؤلاء ولا أولئك، قصيدة ذات وجهين، يقرأها كل فريق فيجدها متسقةً مع معتقده، وهو إذ يفعل ذلك لا ينسى أثناء هذا الأداء المتوازن أن يُوَقِّع التوقيع الذي يَشي بحل المعادلة الصعبة؛ فيذكر الأزهر الذي يجمع الفريقين: السنة والشيعة معًا بحكم التاريخ وتحولاته:

يأتي زمانٌ والمودةُ غربةٌ

والكُرْهُ بلدتنا التي نستعمِرُ

بايعتُ عن نجباء مصرَ جميعهم

وأنا ابنُ وادي النيلِ واسمي الأزهرُ

هذا؛ ولا تستغرقه في شعره الرموز التاريخية وإشاراتها؛ بل يستخدمها كالمقبِّلات التي تُعطي للطبخة نكهتها المميزة، غير مضطرٍ القارئ إلى أن يفتح المعاجم أو أن يقوم ببحث ثقافي، ويغلب على استخدامه الرمز أو الإشارة الاكتفاء بالشائع المتداول يختار لهما وقتهما الذي يكهرب الحالة، مسًّا خفيفًا لا يلبث أن يغادره، وهو إذ يغادر إلى رمز آخر أو إشارة أخرى يلتزم الاستراتيجية ذاتها؛ فتتعاضد الرموز والإشارات في رسم فسيفساء الدلالة المزركشة، علوًّا بالجمال، وإلحاحًا على المعنى وترسيخًا له وتوطينًا:

جواري روايات عصرِ الرشيد

قتلنَ أبا الفرج الأصفهاني

أمِنْ عربٍ فوقَ ظهرِ الخيولِ

إلى عربٍ في كتابِ الأغاني؟!

هذان البيتان بما مسَّهما من إشارات ورموز: (الرشيد، وأبو الفرج الأصفهاني، وكتاب الأغاني) استطاعا أن يوصلا الرسالة الشعرية، مبتعدين تمامًا عن الاصطدام الفَجّ بالسُّلطة، التي لو كانت حاضرةً لصفَّقت له وهي جالسة في الصفوف الأولى، رخصة تُوهَب لكل فنان، وللفن سلطان فوق كل سلطان.

وإضافةً إلى تعشيق الرموز والإشارات في التركيب والبنية تعشيقًا مثاليًا حدَّ الإذابة يأتي التعامل مع الأسلاف لا على سبيل المعارضة الصريحة، ولكن على سبيل استحضار النماذج العليا للفن التي أثرت في أحمد بخيت، النماذج السيارة؛ إذ يبدو ظهور الأسلاف غاية في الشحوب، بما توفرت لديه من قدرة هائلة على طمس الأثر، فقد نصادف نونيَّة كنونيَّة هاشم الرفاعي؛ لكنها ليست هي، وقد نصادف كافيَّة ككافيَّة شوقي لكن البون شاسع، وقد نصادف داليَّة كداليَّة المتنبي.. وهلم جرا، لكن في كل الأحوال ليست هي إياها:

تنسى المواعيد تنسانا المواعيدُ

حتى البلابل تنساها الأغاريدُ

تنسى المقاعدُ عطري مثلما نسيَت

صوتَ التلاميذ في الصيف الأناشيدُ

   وبالتكنيكين نفسيهما: المقابلات، والتوقيع، يلجأ إلى الألفاظ العامية بُغيَة تفصيحها، وتقريبًا للشعر من الجمهور، وإنعاشًا للغة وكهربةً للحالة، وغمزًا للجمهور غير المصري وتنبيهًا لمصريته، وكذلك يفعل مع الألفاظ الأجنبية، والألفاظ الدارجة، وأسماء الأعلام:

يكفي لتكتملَ الرسالةُ أن ترى

وتكونَ أحمدَ كيْ تضمَّ خديجَتَكْ

    هذا عن أحمد بخيت الذي أعرف، أما عن أحمد بخيت الذي لا أعرف؛ فيقود انقلابًا ناعمًا على ذاته، انقلابًا يقف من ورائه إحساسه العالي بالتفرد، ورفضه الشديد للتكرار، وهو ما أسميه آخَر أحمد بخيت المُقاوِم، الذي يرفض الرضا التام عن نفسه، أحمد البَرِّي في مقابل أحمد العارف، أو بتعبير آخر الفطرة في مقابل الخبرة، الأمر الذي يدفعه إلى انسلاخات أو محاولات انسلاخ تصل أحيانًا إلى حد الغرابة، وبخاصة حين يريد أن يُعَقْلِن أساطيره الشعرية الذائعة، بإعادة النظر العقلي فيها منقِّحًا، والغرابة لا تأتي إذا كان الدافع وراء التنقيح فنيًّا، وإنما تأتي الغرابة -في أغلب الظن- إذا كان التنقيح لأسباب نفسية، وربما يتفرد أحمد بخيت بهذا المسلك من بين الشعراء جميعًا، وقد يكون لأنه عاش ورأى ذيوع شعره بعينيه، وهيمنة صوته على غيره، وهو انسلاخ يصل إلى حد النفور، وكراهية أن يتقاطع مع صوته وقد صارت الكثرة تستعيره وتملأ به الساحات، وهي أزمة نادرة لم يتعرض لها شاعر كما تعرض لها أحمد بخيت!

    وربما يفرح غيره بهذا لو كان في مكانه، لكن ما يُفْرِح غيره لا يفرحه، لقد وصلت غيرته على صوته أنه حين يسمعه من الآخرين ينكره، وصلت غيرته على صوته إلى حد إنكار صوته. في إنشاده الأول لقصيدته: “سلام على الحب” في جماعة الشعر بكلية دار العلوم، وكان معيدًا وقتها، قبل أن يترك الجامعة للشعر، وقد جاء بصحبة رائد الجماعة د. مصطفى عراقي (رحمه الله)، وكنت وقتها طالبًا بالفرقة الثانية بالكلية، حاضرًا هذا اللقاء، وسمعتها منه برواية غير الرواية المثبتة في هذه المجموعة:

سيأتي صباحٌ بلا عاشِقِين

بلا أغنياتٍ ولا ملهمين

سيأتي صباحٌ تحِنِّينَ فيه

إلى العطرِ والحبِّ والياسمين

إلى قُبْلةٍ لم تنَلْها الشِّفاهُ

إلى موعدٍ دونما آخرين

وها هي تتحول هنا إلى:

غدًا في صباحٍ بلا عاشِقِين

بلا أغنياتٍ ولا ملهمينْ

ستصحو الحديقةُ من نومِها

وتفتقِدُ العِطْرَ والياسَمينْ

وتبكي الوسائدُ.. تبكي المناديلُ

تبكي وقد جفَّ وردُ العيونْ

على قُبلَةٍ لم تنَلْها الشفاهُ

على موعدٍ دونَما آخرينْ

غيرة تصِل إلى درجة إفساد النص، وتبديد طاقته الروحية، وكذلك يفعل في قصيدته “ركعة الشاهد”؛ فيقول: “أمشي معي أمشي”، وقد كانت “أمشي لكي أمشي”:

أمشي لكي أمشي وتلك إجابتي

عن فوضويَّةِ هذه الأعضاءِ

وربما يُسْقِط بيتًا كاملًا:

على موعدِ الحُبِّ نحن التَقَينا

بشوقِ العصافير للمنبعِ

من قصيدته التي يقول فيها:

فقيرٌ أنا غيرَ أنَّ النجومَ

تنامُ كثيرًا على إصبَعي

ولستُ وسيمًا ولكنني

أكون وسيمًا وأنتِ معي

إن تدخُّل العقل المعرفي عند أحمد بخيت كثيرًا ما ينزع عن الأداء أسطوريته، حتى ولو كان الدافع نفسيًّا كما ذكرت، وأرجو ألا يكون الدافع هو النسيان، وإلَّا فما الذي يجعله يستبدل بكلمة “أكفاني” كلمة “ديواني” في قوله:

وإذا ذوى وَردي الجميلُ فربما

يتضوَّعُ النعناع من أكفاني

إن قراءة القصيدة كاملة التي منها هذا البيت لا يمكن أن تنتمي كلمة “ديواني” لعالمها، ناهيك عن أنها تحرف التلقي عن الأنا الكلية إلى الأنا الخاصة، عن الإنسان إلى الشخص.

    أمر آخر يتعلق بمسألة التنقيح إلى جانب الاستبدال والحذف اللذين يمارسهما أحمد بخيت على قصائده في سياق الحديث عن الانقلاب الناعم على الذات، يتمحور في إسقاط المثير وعدم ذكر الملهِم، وربما يقف وراء ذلك كما سبق وذكرت في أن يظل النص مفتوحًا على الجميع، كما فعل في إسقاط الإهداء لأبي همام (عبد اللطيف عبد الحليم)، أستاذنا في دار العلوم – رحمه الله، في قصيدته: “الفاتحون”:

ما الشعرُ إلا رجلٌ خارجٌ

من ذاتِهِ يرنو لها من كثبْ

قد يكون الدافع فنيًّا في هذه القصيدة التي تعالج سقوط الأندلس، مع إسقاط ذلك على الواقع العربي، وإن كان أبو همام الذي درس في إسبانيا كفؤًا لأن يكون قناعًا نموذجيًّا للحديث عن هذا الموضوع، ومع ذلك فمع التسليم بالدافع الفني في إسقاط الإهداء يبقى السؤال: لماذا أبقى أحمد بخيت على أسماء أخرى أهدى إليها قصائده، من مثل إهدائه قصيدة “حارس الضوء” إلى الكاتب بهاء طاهر على الرغم من أن القصيدة لا تمت له بصلة؟!

هذا ولا يفوت قارئ هذه المجموعة أن يتوقَّف أمام أطرف إهداءاته في ديوانه: “قمر جنوبي”، الذي أهداه إلى أمه قائلًا: “إلى أمي رتيبة محمد علي”، موقعًا تحته: “أحمد بن رتيبة”:

ومرَّ أبو الطيب المتنبي

وحيدًا كما ينبغي أن يكون

وإذا كنت قد أشرت سابقًا إلى أن أحمد بخيت لا يتورط في الرمز تورطًا كاملًا، ولا تستعبده الإشارة التاريخية، إنما يمسهما مسًّا خفيفًا، ويذكرهما كما هما؛ اعتمادًا على مغازلة المخزون الثقافي الجمعي لدى متلقيه، وانتقاء لأكثر التيمات وقْعًا كما فعل في قصيدته: “الحبيب صلى الله عليه وسلم” حين اكتفى من قصة يوسف عليه السلام بالقميص؛ نقلًا للقضية الفلسطينية من كونها مأساة سياسية إلى كونها مأساة إنسانية:

فوق القميصِ دمٌ فوق الضميرِ دمٌ

وما يزالون من هُونٍ إلى هُونِ

أقول: إذا كنت قد أشرتُ سابقًا إلى ذلك أثناء الحديث عن أحمد بخيت الذي أعرف، فإنَّ أحمد بخيت المقاوِم لأحمد بخيت المتحقِّق الذي ملأ الدنيا وشغل الناس – يعمل على تقويض ذلك؛ ويحاول فتح مناطق أخرى من خلال إلباسه الرمز قصيدةً كاملةً، انصرافًا عن معالجته معالجة جزئية كما تقدم إلى معالجته معالجة كلية، حالة ليست شائعة في استراتيجيات الكتابة لديه، ومنحى مقاوم نطالعه في قصيدته: “من عنترة إلى أبيه”، وهي قصيدة من قصائد البدايات، يتخذ فيها من شخصية عنترة رمزًا كليًّا للعربي المسحوق تحت واقعه القاسي:

لآخر لحظةٍ في العُمْرِ وحدي

وأنت ووجهُكَ القَبَلِيّ ضِدِّي

تُقامِر بي لكي تبتاع عِقْدًا

لفاطمةٍ وأقراطًا لهِنْدِ

لا يبهظ أحمد بخيت قصائده بالمحمولات الثقافية المعقدة، لكنَّ آخَرَ أحمد بخيت المقاوم يدفعه إلى البحث الثقافي، والتفلسُف، والتأويل:

تعلَّمْتُ تأويلَ النبوءاتِ ها هُنا

وفي أوَّلي أبصرتُ آخِرَ آخِري

البحث كما في قصيدة: “وداعًا أيتها الصحراء”، وهي قصيدة متقدِّمَة في رحلته الشعرية من حيث الزمن، راجَع فيها تاريخ الشعر العربي، وقدَّم لها مقدمة نثرية، وذيَّلها بمعاجم غير تقليدية، لا تخلو من سخرية؛ بحيث لا يمكن أن ينفك الجانب النثري عن الجانب الشعري فيها، فكلاهما يكمل أحدهما الآخر، وكان الغرض من ذلك أن يبرز التناقض الصارخ بين واقع العالم العربي والتحولات التي يشهدها العالم مع دخول عصر الحاسوب، القصيدة تقدم رثاءً لكل ما هو روحي في مقابل الزحف المادي للعصر، وأغلب الظن أن هذه القصيدة تعكس رغبة مبكرة في كتابة المسرح الشعري، وأتمنى أن يفرغ أحمد بخيت أخيرًا لكتابة المسرح فقد آن الأوان، وهو واجب فني ضروري لا بد أن يؤديه. أما عن التفلسف فقد خلصت له ثلاث قصائد طوال، تقترب في حجمها من حجم الملاحم الشعرية، هي القاهرة، والحادي، والناقوس، انتقل فيها من السؤال الذي كان يصل إلى درجة التجديف المهذب أحيانًا إلى محاولة الإجابة عن عذاب الإنسان:

وسوف تدقُّ بابَ اللهِ يومًا

وتسأله بتجديفٍ مُهَذَّبْ

ألم يَكُ كل هذ الحزنِ يكفي

لترضى عن خليفَتِكَ المُعَذَّبْ؟

 

إيمانًا بأن الحياة تجربة إنسانية، وعلى الإنسان أن يجد الحلول، أو على أقل تقدير أن يجد الطريق للتعايش مع المعضلات، استمرارًا لها وتكيفًا معها:

ألم تعطني أنتَ هذا الترابَ

لأطلعَ منه البهاء النبيلا

    في هذه المطولات الثلاث يحاول أحمد بخيت أن يتحلى بإيجابية الفيلسوف؛ ليفهم ما حدث، أو ما كان، على طريقة أبي العلاء المعري، وكُتَّاب الملاحم كهوميروس، وجون ميلتن؛ فيقدم في قصيدة “القاهرة” مراجعةً شاملة لمصر وعلاقتها بالعالم، يفتش عن الأجوبة وسط ركام التفاصيل والأحداث والشخصيات: يحيى حقي، ونجيب محفوظ، وأم كلثوم، وبليغ حمدي، ومحمد عبد الوهاب، وأبو زيد الهلالي، وبو عزيزي، وأوباما، وكوندليزا رايس، وفرجيل، وأوديسيوس، وهومير، وراحيل، وآخيل، ونابليون، وشامبليون، .. وهلم جرا؛ ليجيب عن السؤال: ماذا حدث لثورة يناير؟ ويصل إلى قرار موجيٍّ مفاده أن هذا يحدث وعلى الإنسان أن يتقبَّلَه:

يا وردةَ الميدانِ يا اسمَ قصيدةٍ

لم تكتمِلْ.. يا حلمُ يا مثكولُ

ما من مصادفةٍ وأول خطوةٍ

أخت الأخيرة والطريق طويلُ

تُلقي الحياةُ على الحياةِ سؤالَها

ويدور ذاتُ الدورة البندولُ

وكذلك يفعل في قصيدة: “الحادي”، وإن أخذت المعالجة شكلًا مغايرًا في قصيدة: “الناقوس” التي تُذَكِّر بلزوميات أبي العلاء المعري.

    أقول: إن هذا الانقلاب الناعم عائدٌ إلى أن أحمد بخيت لا يُحِبُّ أن يكرِّرَ ذاتَهُ، أو يكرر غيره، أو يكرره غيره؛ فالشعر عنده هو المنقذ من التكرار:

الشعر يُشْبِهُ أن تعيشَ بغزةٍ

لا طِفْلَ يرجعُ مرَّتَيْن لأمِّهِ

فعلى المستوى الإيقاعي يقود آخَرُ أحمد بخيت تمردًا على إيقاعاته المستأنسة، وقوافيه المدجنة، لكنه تمرُّد خافتٌ أمام سيادة هذه الإيقاعات وهذه القوافي، تمرد لا يصل إلى أن يحرك الكتلة الحرجة، وبتوصيف دقيق، يظل واقعًا في دائرة الاعتراض، بعيدًا عن دائرة الثورة الإيقاعية، وبخاصة حين تستحوذ بحور كبحر الكامل، والبسيط، والمتقارب، والوافر على النصيب الأعلى في الكتابة، في مقابل بحور أخرى كالطويل، والخفيف، والسريع، والمديد، والرمل، والمجتث، وأخيرًا المنسرح؛ إذ كتب عليها قصائد معدودة. والأمر ذاته يمكن أن ينسحب على قوافيه؛ إذ تتراجع نسب القوافي التي تتخذ رويًّا من حروف كالضاد، والذال، والزاي، والعين، والشين أمام حروف المعجم الأخرى، وإن كنت مع المذهب الذي يقول: البحر لا يصنع الشعر، الشعر هو الذي يصنع البحر، وكذلك القافية؛ فالشعر يبدأ من أول السطر لا من آخره، غير أنني أستطيع أن أقول مطمئنًّا: إن مراجعة هذه القصائد المتمردة عند أحمد بخيت مراجعة سريعة تُطْلِعُنا على أنها استفزَّت إمكاناته، وغيَّرت معجمه. أحمد بخيت يستطيع التمرد على أحمد بخيت، أحمد بخيت الذي كتب قصيدة كاملة على قافية من كلمة واحدة، هي تونس:

ستنجو أمةٌ من حوتِ يونُس

وأول شاطئ الأحرار تونُس

أأُخطِئُ في اسم أولادي لأني

أناديهم جميعًا باسم تونس؟

“ابن نوح…” بين أمل دنقل وعارف الساعدي | د. محمود فرغلي

د. محمود فرغلي

شاعر وناقد مصري

     من خصائص القصيدة الحداثية أنها تتعالى على الحدث وتاريخيته، للنجاة من أسْر اللحظة المقيدة للزمان والمكان، فالحدث عرضة دائمًا للتلاشي، إنَّ ما يصدر عن الإنسان من أفعال وأحداث هو دائمًا في حالة تلاشٍ مستمرة، تتفلت مع الزمن، لكنه إمكانية شعرية قائمة من خلال اللفظي، “وهو أمر تفسره الترابطات الممكنة بين ما يتم من خلال الحدث (السلوك الفعلي للكائنات) وما يلتقطه اللفظي ويخزنه (ما يصبح معنى في الكلمات التي تصف وتلتقط التحولات). إن الأول مادة تتم في اللحظة المرئية من الزمن (إنه يصنف الوجود العرضي الذي يختفي باختفاء لحظة وقوعه)، أما الثاني فصياغة رمزية تُجرد وتعمم وتؤبد (إنها مفهوم يتم التقاطه خارج الزمن). إن اللغة في هذه الحالة وفي جميع الحالات أيضًا، لا تصف حدثًا فحسب، إنها بالإضافة إلى ذلك تؤول وتؤبد حالة وتضعها للتداول خارج وجهها الحدثي”[1]، هذا الفصل بين الحادثة وتشعيرها، رغم تلاشي الحدث، نجد أنه يمتلك “قدرة التهامية، سرعان ما تحيط بالنص وتتخلله وتنتشر في نسيجه، مانعةً ظهور العناصر التي تشكل هويته الفنية؛ وتساعد عملية التلقي في ترجيح الحدث خارج النص على أية كيفية تمثيلية له داخل النص، فوقع الحدث أشد قوة وأوضح صورة، وأبلغ تعبيرًا على أية صياغة فنية له، أو صلة به”[2]، ولكيلا نرسل الكلام على عواهنه نتوقف أمام قناع “ابن نوح” لدى كل منأمل دنقل وعارف الساعدي، حيث يمثل قلبُ الحدث أو تغييرُ زاوية الرؤية إليه ضرورةً إبداعيةً؛ حتى يتسنَّى بعثُه باعتباره حدثًا نصيًّا جديدًا، له القدرة على التأثير، ومنفتحًا على تداولية مستمرة، ومرتبطًا بسياقات الحياة والواقع، وقد برز ذلك في اختلاف السياق التاريخي للتجربتين، لذلك نجد التناصات تعبر عن قراءة عميقة لحدث الطوفان من قِبَل الشاعرين، وتعدد زوايا الرؤيا، لوضعه في سياق مُتخيَّل، ليس له من الحدث الرئيس إلا شذرات دالة، ومرتكزات مؤسسة لبناء قصيدة حداثية في إطار ثنائية الاتصال والانفصال.

     تظل قصيدة أمل دنقل سردية أولًا.. غنائية ثانيًا، بل إن الغنائية تتلاشى مع تصاعد النسق السردي، والتقسيم المقطعي والتشكيل البصري للقصيدة، وإن حضرت الغنائية من خلال اللحن الرئيسي (جاءَ طوفانُ نُوحْ) الذي يتكرر بصورة جعلت الغنائية ممسكة بتلابيب التجربة، آزرها في ذلك التقفية الموقعة والدالة، بيْدَ أنَّ وقوف الذات الشاعرة على مسافة من النص من خلال عملية التقنع، وبروز صوت الراوي إلى جوارها، ثم تنوع المنظور كل ذلك جعل السمة السردية حاضرة بقوة الدفع المنبثقة من توالي الأحداث وتصاعدها، لنسيرَ في اتجاه ذروة ثم نهاية دالَّة، فيما تقف قصيدة الساعدي في إطار غنائي أولًا ثم سردي ثانيًا، فلم يتوسَّل بأدوات متنوِّعة في صنع درامية قصيدته، ولا شك أن التشكيل البصري يحفز الطبيعة الإنشادية للقصيدة، فيما لا تبرز الدرامية إلا من خلال السرد وتحوُّله وتعدد الأصوات مع أحادية التشكيل البصري الحاكم لبنية الخطاب مع اتساع المعنى لآفاق إنسانية تفصل الشخصيات عن المرجعية الدينية، وهنا نشير إلى أن الشعر السردي بحكم طبيعته هو في الأصل مادة شعرية تبحث عن تقينات سردية تعضدها وتبرز أبعادًا أخرى من شعريتها، لم يخرج القناع في حالة الساعدي عن غنائيته، مع طول المونولوج الاسترجاعي في القصيدة، وتراجع الحدث فيها بفعل سيطرة الشعر بآلياته المختلفة إيقاعًا ووزنًا وقافيةً على الحدث، والحيلولة دون تنامِيه تناميًا تصاعديًّا، وعدم القدرة على إبراز طبيعة الشخصيات إلا من خلال صوت أحادي دون الدخول في حوارية، تعطي للحدث فاعليته لتتوَلَّد منها الدراما بوصفها العنصر المهيمن كنسق تركيبي حاكم للأنساق الأخرى في القصيدة.

 

الضمير السارد

  الضمائر عكس الأعلام في إمكاناتها التأويلية وفاعليتها السردية من خلال فاعليتها اللغوية، ولذلك التفت النقاد إلى أهميتها ودورها في بناء الجنس الأدبي، كل جنس يلتمس مخططًا للضمائر، ويشير جاكوبسون إلى ترابطها الوثيق مع مختلف الأجناس، ومختلف الوظائف، فالشعر الملحَمِي يتمحور حول ضمير الغائب، ويرتبط الشعر الغنائي بضمير المتكلم، والالتفات بين الضمائر يقوم بوظائف فنية عدة وفقًا لكل جنس، ما نلاحظه هو أن الإحالة الضميرية في النصَّين تجمع بين عائدية داخلية (نصية) وعائدية خارجية (تداولية)، وفي هذا خروج عن المسار السردي الاعتيادي بطريقة ما في لحظة ما، بقصد إحداث تنوع أسلوبي وإضفاء بُعْد درامي في بنية النص الكلية، وتاركًا أثرها في القارئ، حيث تأتي تلك التقنية بمثابة نقطة توقف أو صدمة مفاجأة تُحدث خلخلة في الذهن والإدراك البشري، وتستمر الحركة الثنائية بين الداخل والخارج والماضي والحاضر والشاعر والآخر بما يحول عملية التلقي إلى مجاهدة مستمرة لالتقاط مراكز التشابه والاختلاف، بما يقدم من رؤية جديدة تفسيرية وشعرية لماضٍ ما، وهو ما يدفع المتلقي دفعًا إلى اتخاذ موقف بعينه مع أو ضد، في ظل عملية الخلخلة التي يُحدثها التقنُّع.

   كان لأحادية الضمير السارد في نص عارف الساعدي، وهو ضمير المتكلم، دورٌ في إبراز الغنائية الذاتية، بجانب تحقيقه الفاعل لإيهام وجود آخر غير الشاعر، يوجه إليه الحديث، في حين أسهم التماهي الصوتي بين أنا الشاعر السارد في قصيدة أمل دنقل، وأنا القناع وتنوع معطيات السرد في إحداث التوازن الدرامي المطلوب.

   كذلك نلحظ  أن التطابق بين ذات الشاعر والذات الإنسانية واضحٌ في قصيدة الساعدي، حيث ينفتح النص على أزمة الإنسان المعاصر ووقوعه فيما وقع فيه سابقوه، مما يستدعي طوفانًا آخر، فيما تبرز النزعة الإنسانية في قصيدة دنقل دون تخليها عن البعد الوطني، في إطار مفهوم المواطنة الذي يتشكل بمعزل عن المرجعية الدينية، ليأخذ موقف ابن نوح طابعًا سياسيًّا ويتشكل موقفه في إطار رفض التنازل عنه أو بيعه، فيما تآزرت الشخصيات الأخرى في تأكيد الاختلاف قيام العلاقة بين ابن نوح القصيدة الذي يتحول إلى صوت جمعي، ووعي بضرورة المقاومة؛ وابن نوح الديني على التباديل والتوازي بصورة تبرز تنوعهما:

ها هم الحكماءُ يفِرُّون نحو السفينة

المغنون – سائس خيل الأمير- المرابون- قاضي القضاةِ.. ومملوكُه

حاملُ السيف- راقصةُ المعبد (ابتهجت عندما انتشلت شعرها المستعار) جباة الضرائب- مستوردو شاحنات السلاك – عشيق الأميرة في سمتِه الأنثويِّ الصَّبوح – جاء طوفانُ نوحْ

هاهم الجبناءُ يفِرُّون نحو السفينةْ

بينما كنتُ

كانَ شبابُ المدينةْ

يُلْجِمونَ جوادَ المياهِ الجَموحْ[3].

تلعب المفارقة دورها في المقطع السابق، حيث يتداخل صوتان متضادان من خلال كلمة الحكماء التي تحمل وجهة نظر الفارين إلى السفينة لتبرير خضوعهم وفرارهم بالحكمة، فيما يتبدَّل المنظور في نهاية المقطع ومن خلال تبئير “ابن نوح” ذاته حين يصفهم بحقيقتهم الجبناء، كما إنَّ تنوع صنوفهم يلعب دوره في كسر التقاطع بين النص والمتناص الديني، حيث جاء اختيارهم بعناية فائقة لتكشف فساد المجتمع الأخلاقي والمالي في طبقاته العليا، والانتهازيين في كل زمان، كما إنهم مستلهمون من سياقات تاريخية متنوعة عبر التاريخي العربي لكسر عنصر المشابهة، وإبراز خصوصية شخصيات النص، وهذا التنوع يشد من جهة أخرى المتلقي ليضعه بين طرفي معادلة أو أمام مرآتين يعاود النظر بينهما، لإدراك الاختلافات المستمرة، وذلك في إطار عمليات الاستبدال والإحلال.

الزمن السردي

   من حيث الزمن السردي نجد أن الترتيب الزمني يقوم على الاسترجاع، حيث زمن الحكاية سابق على زمن الخطاب، ومع تصاعد صوت الذات في حوارها يشد الزمن إلى الحاضر المأزوم الذي يستدعي طوفانًا جديدًا، وهي النقطة التي يتحول فيها السرد من الغنائية إلى الدرامية. في نص الساعدي يتسع القناع زمنيًا، ويتحول الزمن السردي من لحظة يعكسها الشاعر ببراعة ليؤكد عنصر الاختلاف والمفارقة للمرجعية الدينية، فيستبدل (ونادى نوحٌ ابنه…) بقوله “ناديته”، في إطار عملية قلب مقصودة وفاصلة في تحريك الدلالة في اتجاه النص لا النص المرجعي، وهي تحول طرفي الاتصال مساحة لحركية النص وتفجير الطاقة الدلالية لموضوعاته، مع مخاتلة مستمرة للنص المرجعي.

ناديتُه وخيوطُ الصوتِ ترتفعُ        هل في السفينة يا مولاي متَّسَعُ

ناديتُهم كلَّهم هل في سفينتكم…؟      كأنَّهم سمِعوا، صوتي وما سمِعوا

ورحتُ أسألُه ياشيخ قسمةُ مَنْ         نجوتَ وحدَكَ، والباقون قد وقعوا؟

  ومن خلال الحوار المقلوب نجد أن الصوت يخلُصُ للابن، في تأكيد لفردية المنظور وأحادية الرؤية الغنائية، فيما  يظل الطرف الآخر صامتًا لكن تضافر عناصر الوصف  تعطي لنا صورة لهذا الشيخ، كذا يتم القلب على مستوى العلاقة، فالطوفان في النص لم يكن فيه خلاصهم، بل كان بدءًا لفساد أشد:

وهل سترتاحُ؟ هل في العُمْرِ طعْمُ ندى؟        وأنت وحدَكَ والصحراءُ تجتمِعُ

وكيف تبدأُ هذا الكون ثانيةً                              وقد تركتَ الفتى والموجُ يصطرعُ؟!

  تبرز الذات حيرتها من كثرة الأسئلة وتتابعها، وهي وإن كانت مجافيةً للسرد بحكم إنشائيتها إلا إن التتابع يجعل القصيدة تمور بالحركة المتسقة مع فورة الذات وبحثها عن الخلاص، وإذ كانت الحوارية تأخذ اتجاهًا واحدًا، فإنَّ الإحالة الضمائرية والتناص تضفيان على القصيدة بُعدًا دراميًّا، دون التخلي عن الغنائية خاصةً في الأبيات التي يجتر فيها الابن ذكرياته مع أبيه، في صورة تقترب من الاسترجاع السردي، لكنه يظل مرتبطًا باللحظة الآنية التي هي لحظة الصراع وذروته وتتأكد الغنائية من أحادية المنظور من جهة والحدة الانفعالية في التعبير عن الحيرة والإحساس بالضياع من جهة أخرى:

وهل ستذكرُ؟ قبل الموت كيف دنا         عيني تضيقُ، وعينُ الموتِ تتَّسِعُ

وهل تنامُ؟ وفي عينيكَ نابتةً                     عيونُ طفلِك والألعابُ والمُتَعُ

………………………………………………

كل التفاصيل مرَّتْ في مخيِّلَتي               البيتُ والأهلُ والأشجارُ تجتمِعُ[4]

  إنَّ قصيدة القناع ذات طبيعة جدلية تتأسس على حضور أنا الشاعر وغياب أنا القناع والعكس، في حركة تبادلية متزنة، مع إمكانية التباس في إحالة الصوت والضمير داخل القصيدة، يترتب عليها تراجع الغنائية الذاتية التي تحتفظ لنفسها بالمقومات التقليدية كالنسق الموسيقي والتكرار والمجاز، والتشكيل البصري، وفي القصيدة  يتنازع الصوت أنا الشاعر، وأنا القناع مع اختلاف طبيعة كل منهما وزمانه، فالصوت الأول للابن يعود بالزمن إلى الوراء في لحظة إقلاع السفينة، أما الصوت الثاني فينسب إلى صوت الذات الشاعرة،  وكلامها يتصلان وينفصلان، ولكن نقطة الاتصال هي انضوائهما تحت مظلة إنسانية واحدة تدين الفساد وتطلب طوفانًا آخر، وحضور الثاني تغييب للأول، لكن دون أن يلغي حضوره في أعماقه، فالقناع يصل لدرجة من الشفافية بصورة يكون ظاهره كباطنه.

   ما نؤكده هنا هو أن القناع لدى الساعدي لم يحُل نسقه الخليلي دون بروز سمة سردية تفجره بالدلالة وتخفف من غنائيته دون أن تمحوها، كما كان للثنائية الصوتية من خلال التقنع دور في التحول من التعبير اللامباشر إلى التعبير المباشر، أو التعبير باللامباشر عن المباشر، والمعنى الصريح علامة على المعنى الضمني، فالقناع والمعنى الصريح على السطح، في حين تتركَّز ذاتية الشاعر بحاضره في العمق.

   بيْدَ أن التشكيل البصري وتفعيل علامات الترقيم في نص دنقل كان أكثر ثراءً وفاعليةً وارتباطًا بتصاعد النسق الدرامي للقصيدة، بل إن وجود علامات ترقيم بعينها كالأقواس والشرطة الاعتراضية ومساحات البياض؛ أضاف صوتًا آخر للأصوات داخل النص هو صوت التعليق على أقوال الشخصيات[5]، ولا شك أن التشكيل البصري آلية سردية حين يفلح الشاعر في توظيفها، فيما لم يفعِّل الساعدي الفضاء البصري مما جعلها -خاصةً في المونولوج الاسترجاعي لتحرك عاطفة الأب- يغلب عليها الغنائية.

    

[1]  سعيد بنكراد، السردية والتجريد المفهومي، علامات ع12، المغرب 2012، ص31: 37

[2] حاتم الصكر، الحدثي والحداثي، الحدثي والحداثي، الطبيعة الالتهامية للموضوع والضرورة الفنية للقصيدة، مجلة الكرمل، ع79/ 2004، ص 23:56

[3]  أمل دنقل، الأعمال الكاملة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة 1998، ص408

[4] عارف الساعدي، الطوفان، موقع القصيدة دوت كوم.

[5]  انظر تفصيل ذلك في دراسة سيد البحراوي، البحث عن لؤلؤة المستحيل،  دار شرقيات القاهرة 1996ص50

بين الشعر والفلسفة.. أربعة شعراء يبحثون الجذور والجسور

 

في تعاون هو الأول من نوعه بين مؤسستَي «بيت الفلسفة» و«دارة الشعر العربي» بالفجيرة، وإثراءً للحَراك الفكري والأدبي في إمارة الفجيرة، انعقدت ندوة “في الفلسفة والشعر” والتي حاضر فيها الشاعر د. أحمد برقاوي عميد بيت الفلسفة، والشاعر الكاتب حسين درويش، والشاعرة سليمة المزروعي مديرة دارة الشعر العربي، والشاعر المترجم عادل خزام، وأدار الندوة الشاعر محمد المتيم.

قدم كل واحد من ضيوف الندوة ورقة تتناول قضية فلسفية ذاتِ ارتباط بالشعر، وبدأت الندوة بمداخلة د. أحمد برقاوي، التي تحدث فيها عن الميتا (الما وراء) والشعر، وأعقبته مداخلة الشاعر حسين درويش والذي تحدث في مداخلته عن قضية الحب بين الشعر والفلسفة، وعن طبيعة اللغة التي تتأرجح بين الوجدان والمعرفة، ثم أعقبته مداخلة الشاعرة سليمة المزروعي والتي طوّفت حول تجربة أبي العلاء المعري شاعرًا وفيلسوفًا، وكيف أفضت به التجربة الحياتية والمعرفية وما كابده فيها لتظهر أصداؤها في “اللزوميات”، وكانت الورقة الأخيرة لدى الشاعر والمترجم عادل خزام والذي عرَّج على مسارات التنوير في القصيدة الإماراتية وتشعباتها ورموزها.

بعد المداخلة النقدية، انتقل الشاعر محمد المتيم بالحضور إلى المحطة الثانية من الفعالية وهي الأمسية الشعرية، التي شارك فيها الشعراء الأربعة أنفسهم بشيء من نتاجهم الشعري الذي تنوع بين القصيدة النثرية والقصيدة العمودية، التنوع الذي لاقى استحسانًا طيبًا من الحضور.

وفي ختام الندوة تقدم الشاعر محمد المتيم بالشكر للمنصة الموقرة، وطرحها المستنير الذي يمثل دفعةً لعجلة الحركة الثقافية والأدبية، تحت مظلة مشروع الفجيرة الثقافي الرائد، وقدم الشكر بشكل خاص للشاعر الإماراتي الرائد أحمد العسم، لتشريفه بالحضور محمولًا على جناح المحبة.

شي صعب ممحاه: عن الزمن والحنين في ديوان “منادمات” لعائشة الكندي

أحمد أبو دياب

كاتب مصري

تُعدُّ الشاعرة عائشة الكندي واحدة من الأصوات الشابة البارزة في الشعر النبطي الإماراتي، ورمزًا من رموز القصيدة التي استطاعت أن تجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين التجربة الذاتية والوجدان الجمعي، في لغةٍ تنبض بالمشاعر والذاكرة والحنين. وإذا كانت عائشة الكندي قد عُرفت بصدقها العاطفي وعمق تجربتها الإنسانية، فإنَّ ما يميِّز ديوانها “منادمات” هو هذا الحضور الطاغي للزمن بوصفه ذاكرةً وشوقًا واستعادةً لما مضى، حتى يصبح الشعر عندها وسيلة للحفاظ على لحظات الفقد والوصال، على تفاصيل الحياة التي تذوب مع مرور الوقت، وعلى الذات التي تبحث عن معناها في تقاطع الماضي بالحاضر.

في قصائد الديوان، يتجلّى الزمن ليس كخلفية للأحداث، بل ككائن شعري ينبض بالحضور والوجع، فهي لا تتعامل مع الماضي كمشهد منتهٍ، بل كجزء من كيانها الداخلي. إنها تستعيد الزمن لا لتندب فواته، بل لتعيد بناءه في صور شعرية تمزج بين الحنين والتأمل، بين حضور الذاكرة وغيابها، فالأماكن القديمة، والأصدقاء، والوجوه الراحلة، تتحول جميعها إلى رموز للزمن الذي لا يعود، لكنها تستحضرها بكلمات يملؤها الدفء والعاطفة.

 

تقول عوشة في قصيدة “مفاتيحه”:

من غَلاك أحَبِّبْ تْرابِك

وانتظِرْ وَرْدِك وتَفتِيحَه

يا رِبيع العِمْر وِش صابِك

فَسِّر وعَطْني تِشَارِيحَه

كَنْ عَنَي غِلْقَت أبْوابِك

والقِفِلْ غابَتْ مِفاتيحَه

 

هنا تُحوّل الشاعرة العلاقة العاطفية إلى رمز للزمن الجميل الذي انقضى. فهي لا تكتفي بإظهار التعلُّق بالمحبوب، بل تعبِّر عن عمق الانتماء حين تقول «من غَلاك أحبِّب ترابك»، فيتحول الحب إلى امتداد روحي للأرض والذاكرة. أما انتظار “وردك وتفتيحه” فهو انتظار للربيع الداخلي، للعودة إلى زمن الصفاء والعاطفة الأولى. وحين تقول «كَنْ عني غلقت أبوابك، والقفل غابت مفاتيحه»، يظهر وعيها بالفقد، كأنها تلامس استحالة استعادة الماضي.

ويمثِّل الحنين في شعر عوشة الكندي طاقة داخلية تحرِّك النص، وهو لا يقتصر على حنينٍ إلى الحبيب أو الوطن فقط، بل يمتد إلى حنينٍ إلى الذات الأولى، إلى البراءة والبدايات والأيام البسيطة.

في بعض قصائدها نجد عوشة تخاطب الماضي كما لو كان شخصًا قريبًا؛ تعاتبه أحيانًا، وتبتسم له أحيانًا أخرى، لكنها لا تتخلى عن ارتباطها الوجداني به، ذلك الارتباط يخلق حالةً شعرية فريدة، إذ يتحول الحنين إلى أداة للتعبير عن الهوية، وإلى وسيلة لحفظ ما يندثر من العادات واللغة والمشاعر.

تقول الشاعرة في قصيدة “روض ورياض”:

الوَقْت لِي دُونَه غِمِيضِي

و ويّاه فَاقَات وبَرَاضَه

تَيّار مُويَاتَه عِرِيضِي

يْزِيد ويْرِدْ انخِفاضَه

تُبرز عوشة الكندي رؤيتها الفلسفية العميقة للزمن، فهي لا تنظر إليه كتعاقب للأيام بل كحالة وجدانية متقلبة، إذ تقول «الوقت لي دونه غميضي وويّاه فاقات وبراضه»، لتشير إلى أن الحياة بلا زمنٍ تحبه مظلمة، ومعه تتأرجح بين الشدة والرضا. ثم تأتي استعارتها اللافتة «تيّار موياته عريضي يزيد ويرد انخفاضه» لتجعل من الزمن نهرًا متغير الجريان، لا يمكن التنبؤ بحركته، في لحظة يفيض بالعطاء وفي أخرى ينحسر. من خلال هذا التصوير المائي، تعبِّر الشاعرة عن تجربة إنسانية عميقة في مواجهة تقلُّب الحياة، حيث يصبح الزمن شريكًا في الوجدان، له مدٌّ وجزرٌ، فرحٌ وانكسار، لكنه يظلّ هو الإطار الذي تحتضن فيه الذاتُ حنينَها وأملها معًا.

لغة عوشة الكندي النبطية تمتاز بعفويتها وصدقها، لكنها في الوقت نفسه تحمل وعيًا فنيًا دقيقًا يجعلها قادرة على تحويل اللهجة إلى لغة شعرية رفيعة، فهي تستخدم المفردة التراثية بحذر وذكاء، وتستحضر الأمثال والرموز الشعبية عبر الديوان لتجعلها جسرًا بين الأجيال، وكأنها تُعيد عبر لغتها بناء الماضي في الحاضر، ولذلك، تبدو قصائدها مثل وثائق وجدانية تحفظ ملامح البيئة الإماراتية القديمة، وتربط بين تجربة الفرد وجماعة تنتمي إلى أرض وتاريخ مشتركين.

في كثير من نصوصها، تواجه الشاعرة ذاتها في مرآة الزمن، فتبدو القصيدة ساحة حوار داخلي بين “أنا” ماضية و”أنا” حاضرة، هذه الثنائية تُنتج وعيًا عميقًا بالفقد، لكنها في الوقت نفسه تمنح الشاعرة قدرة على التصالح مع التغيُّر، كأنها تدرك أن مرور الزمن لا يمحو الذكريات، بل يعيد تشكيلها داخل القلب، من هنا يأتي الهدوء التأملي في نبرتها، ذلك الهدوء الذي لا يخلو من الأسى، لكنه أيضًا لا يغرق في الحزن، بل يحمل حكمة ناضجة تُعبِّر عن تجربة حياة طويلة.

تقول الكندي في قصيدة “السّحاب“:

ليت لا يِمْكِنْ عَلى البِعدْ تتعَوَد

وليت قربك قِرْب عِنقِي للقَلايد

وليتِني مِنْ فكرةْ غيابِكْ أعَوّد

كان بَنعِي مِن كِثر فَقدِك وِسايِد

خَلْ سَحَّاب الحِزِن هَطْلَه يِرَوِّد

كُوُد يِحيَا الشَوق و تْرِدو تِعايِد

 

تبوح الشاعرة بأقصى درجات الحنين والرفض للفقد، إذ تعبِّر عن عجزها عن التكيُّف مع البعد بقولها «ليت لا يمكن على البعد تتعود»، وهي أمنية تحمل في طياتها احتجاجًا على قسوة الزمن. ثم تربط القرب بالمحسوس والعاطفي معًا حين تقول «وليت قربك قرب عنقي للقلايد»، لتجعل من الحبيب زينة الروح، ومن اللقاء امتدادًا طبيعيًا لوجودها. في الأبيات التالية يتصاعد صوت الحنين حتى يتحول إلى وجعٍ شعريٍ شفيف، إذ تقول «كان بنعي من كثر فقدك وسايد»، فتجعل من الفقد موتًا مجازيًا ومن الذكرى حياة بديلة. أما ختام المقطع «خل سحاب الحزن هطل يروِّد كود يحيا الشوق وتردو تعايد» فيحمل ومضة أمل وسط العتمة، كأنها ترى في البكاء مطرًا يُخصب الذاكرة ويُنعش الشوق، لتغدو القصيدة دعاءً لاستعادة زمنٍ مفقود، ولو في الحلم.

ولا يمكن فصل الحنين في شعر عوشة الكندي عن الإحساس بالهوية الوطنية والإنسانية، فهي حين تتحدث عن ماضٍ جميل أو عن بيوتٍ رحلت أو عن أزمنة الطفولة، فإنها في الحقيقة ترسم صورةً لهوية مجتمعها بكل تفاصيله: البحر، الرمل، العلاقات الاجتماعية، القيم القديمة، والأصوات التي كانت تملأ المكان دفئًا.

ففي قصيدة “أقفيت” تقول:

أقفِيت ما عِدت النّظَر فيِّ

وأمْسَت مَرابِعنا خِلِيَّات

لَوَّلْ أحِيدِك دُوم تَوْفِيّ

والصَّعب عِنْدِكْ لَهْ مَرامَات

أصبِحْ عَلي لِقياك وأمْسِيْ

وأبَات في إنْس وشَراغَات

ترسم عوشة لوحة وجدانية عن الغياب واستحالة الرجوع إلى الماضي، حيث تقول «أقفيت ما عدت النظر فيّ وأمست مرابعنا خليات»، فتجعل من الفقد مشهدًا بصريًا للمكان الذي خلا من الوجود والدفء. هنا يتحول الحبيب إلى رمزٍ لزمنٍ رحل، والمكان إلى ذاكرةٍ فارغة لا يسكنها سوى الصدى. ومع ذلك، يظلُّ في وجدانها بريق من الوفاء، فهي تتذكره بشعرها لتؤكد أن الماضي رغم رحيله، ما زال يحتفظ بصفائه الأخلاقي وجماله الإنساني. أما ختام المقطع «أصبح على لقياك وأمسي وأبات في إنس وشراغات» فيجسد الإقامة في الحلم والذاكرة، إذ تصحو وتمسي على طيف اللقاء الغائب، ليغدو الزمن عندها دائرة مغلقة من الانتظار والحنين، لا تُقاس بالأيام بل بعمق الشعور.

قصائد عوشة الكندي ليست مجرد تسجيل للماضي، بل هي احتفاء به، وإصرار على أن يبقى حيًّا في وجدان الحاضر، وأن يظل جزءًا من ملامح الشعر النبطي في الإمارات، وتتسم صورها الشعرية بالبساطة والعذوبة، فهي لا تلجأ إلى الغموض أو التعقيد، بل إلى الصدق العاطفي الذي يمنح الصورة بريقها، وتستخدم الطبيعة –من رياحٍ ونجومٍ وصحارى– لتجسيد مشاعرها الداخلية، فتغدو البيئة انعكاسًا لروحها، إنها تُعيد تشكيل العالم من منظورٍ وجداني أنثوي يرى في التفاصيل الصغيرة رموزًا للزمن الكبير، وفي اللحظات العابرة إشارات إلى الأبدية.

عوشة تحتفظ بنقاء العاطفة ودفء اللهجة وصدق التجربة، وهي بهذا تمثل نموذجًا للشاعرة النبطية التي استطاعت أن تُعبِّر عن وجدانها الشخصي بلغةٍ تحفظ روح التراث وتجدِّد حضوره في الزمن المعاصر، ولعل هذا ما يجعل شعرها باقيًا في الذاكرة، ليس لأنه يستعيد الماضي فحسب، بل لأنه يمنحه حياة جديدة في قلب القارئ، ويذكِّره بأن الشعر هو وحده القادر على جعل الزمن ينبض من جديد.

الخروج من عباءة جميل بنِ مَعْمَر | نبيل عبدالكريم

نبيل عبدالكريم

كاتب أردني

لو كانت بُثينةُ شاعرةً ماذا تقول؟! أيحقُّ لصوتِها المحبوس في فضاء جميل بنِ مَعْمَرٍ أربعةَ عشرَ قرْنًا أنْ يجْهَرَ؟ صوتها؛ شخصيتها وكينونتها وعاطفتها وإرادتها، الذي ظلَّ مُضافًا، كاسمها، إلى صوت جميل، أما آنَ الأوان لأنْ يُسمحَ له أنْ يُغادِرَ عباءة جميلٍ، ويُحرَّرَ من سردية المُحِبِّ، ويستقلَّ بسرديته الخاصة، سردية المُحِبَّةِ وليس المحبوبة، وأنْ يستوي على عُودِ القصيدة ثمرةً ناضجةً، ناطقةً بذاتها، حلوِها ومُرِّها؟

ينتمي ديوان (بُثينةُ جميل)، الصادر حديثًا عن (دارة الشعر العربي بالفُجيرة)، إلى مشروع شعري خاص بشاعره، الشاعرِ الأردني عبد الله أبو شميس، يقوم على استنهاض المرأة من موقعها الهامشي، أو الثانوي، في التاريخ العربي الإسلامي، الديني والأدبي، ودعوتِها إلى المَتْنِ، أو الصدارة. ويُعَدُّ الديوان الجديد خطوة ثانية في هذا المشروع بعد ديوان (المَنْسِيّات) الصادر عن (دار أزمنة. عمّان. 2021)، ويسترجع فيه سيرة نساء ذكرهنَّ القرآن الكريم في سياق القصص القرآني، مثل حواء، وهاجر، وراحيل، وبلقيس، ومريم، وخديجة، عليهنّ السلام. وينهجُ في استرجاع السير النسائية القرآنية منهج استقراء الشخصية من الداخل، وبنائها من خلال التعبير بصوتها عن نفسها، ويقف منها موقفًا موضوعيًا، محاذرًا أنْ يتَّخذَ من صوتها وسيلة للتعبير عن نفسه، إلَّا بمقدار ما يرى أنَّ السرديات الكبرى، والمُتُون الرئيسة في التاريخ الإنساني، ركَّزت على أدوار الرجال، فأخّرت، أو أهملت، أو نسيت التركيز على أدوار النساء.

يقع الديوان في مئة واثنتي عشرة صفحة، وفيه اثنتا عشرة قصيدة، وتحمل كلها عناوينَ مفردةً، وليس فيها عنوان مركب، وفي العناوين المفردة دلالة على ترابط القصائد وانتظامها وتكاملها في عِقْدٍ يحيطُ بسيرة بثينة وشخصيتها من جوانبها كافة، من حيث إضاءة كلِّ عنوان لملمح من ملامح شخصيتها، وجانب من علاقتها المتشابكة مع شاعرها وحبيبها، وتكاملها كلِّها في إضاءة شاملة عليها. ولا شكَّ أن صاحب الديوان قد استعان في إضاءته شخصيةَ بثينة، إلى جانب صورتها الشعرية في ديوان جميل بنِ معمر، بالمصادر التاريخية التي روت أشياء من سيرتها خارج مرآة جميل، كما اطلع على الدراسات الحديثة التي حلَّلت شخصيتها من الناحية الإنسانية، وأوضحت البيئة الاجتماعية التي أطَّرت حكاية الشاعر معها.

يُفتتح الديوانُ بقصيدة (الناي)، والناي رديف الغناء، والغناء هو الشعر عند العرب. وفي هذه القصيدة تُفصح بثينة عن رغبتها بالقول، والتعبير عن ذاتها، والارتقاء بها إلى منزلة جميلٍ الذي تصفه بـ (سيِّد الشعر). وتُمثِّلُ القصيدة الأولى نوعًا من الخطاب التأسيسي، تُمهِّد فيه بثينة لكلِّ ما سَيَليها من قصائد، إذ انتقلتْ من موقع المُعَبَّرِ عنه إلى موقع المُعَبِّر. تقول مخاطبةً محبوبها:

أعِرْني مِنَ الناي

بعضَ الثقوب

أهرِّبُ فيها

الغرامَ الثقيلا

وثاني قصائد الديوان قصيدة (بثينة)، وهي قصيدة الهوية، وفيها تقدم بثينة نفسَها كما هي، لا كما رسمها جميل، ولا كما اتَّخذها الشعراء بعده صورة نمطية للمرأة المشتهاة الشبيهة تارة بظبية، وتارة بزهرة، وتارة بغيمة ماطرة، فتقول مخاطبة الشعراء:

فاستريحوا

من البحثِ

يا فقهاءَ الكلامِ

آمنوا بي

كما أنا

ليس كمثل بثينة شيءٌ،

وليس كمثلِ اسْمِها

في الأسامي!

وتخصُّ بثينة جميلًا بكلامها في القصيدة الثالثة (الغزالة)، وتخُصُّ بسهام النقد ذاتَه المُتضخِّمة، ونرجسيته التي حالت دون أنْ يحبَّها حبًا طبيعيًا بمعزل عن إخضاعها لخياله الشعري، وجعلها موضوعًا لقصيدته، فكأنَّه اختارها قصدًا لتكون ملهمته، يقدحُ بها زِناد عاطفته لينشئ قصائده البديعة، جاعلًا منها عبدةً لمزاجه الشعري:

أنتَ

لستَ تحبُ بثينةَ

إلَّا بمقدارِ ما تتوهَّجُ فيكَ القصائدُ…

تلمَسُني فتضيءُ

وتَهْربُ نحوَ البراري

والقصيدة الرابعة (النار) تحكي عن الحب الذي وُلِدَ مشوَّهًا بحكم اختلاطه بلوثة الشعر التي قضتْ عليه بأنْ لا يُقرُّه المجتمع البدوي في وادي القُرى. فكانت العلاقة بين الحبيبين محكومة بنهاية سيئة، ولم يُصِبْهما منها غيرُ الحسرة والضياع:

فكِلانا

تغرَّبَ عن نفسه

ومضى في طريقِ السرابِ…

كلانا

إذا ما رأى وجهَهُ

دونَ صاحبِهِ

يتحسَّرْ

القصيدة الخامسة (الشَّام) يتجلَّى فيها صوت بثينة العاشقة، الصريحة في التعبير عن عواطفها المشبوبة، الجريئة في البوح بافتتانها بمعشوقها، المندفعة في الكشف عن أشواقها إليه في رحلته من بادية الحجاز إلى الشام، ليهدمَ صورة بثينة المعشوقة المُتَمنِّعة التي كرَّسها جميل، وكرَّس صورته من خلالها إمامًا للعذريين، ونموذجًا للعاشق المُعَذّب، فإذا ببثينة تقلب الصورة، وتبدِّلُ المواقع، وإذا بعذاباتها تفوق عذاباته أضعافًا:

أنتَ من أشعلتَ نيراني

وأضْرمْتَ ضِرامي

ها أنا أصْهُلُ

كالمُهْرةِ

في ليلِ الهيامِ

القصيدة السادسة (الفَرَس) تنْضَحُ بالمرارة المتولدة من المفارقات التراجيدية في حكاية بثينة وجميل، ويُبْرِزُ صوتُ بثينة، بنبْرة عتاب ساخرة حاذقة، جانبَ الكوميديا السوداء في الحكاية. وتتَّخِذُ القصيدة من موقف لا يحتمله العاشقان مدخلًا للتعبير عن المأساة، هو موقف عُرْسِ بثينة، وفيه تسأل جميلًا عن الهدية التي سيقدمها لها بمناسبة زواجها من رجل غيره. وفي القصيدة تعريض بجميل الشاعر الذي لا يتخلَّى عن الشعر، لكنه يتخلَّى عن حبيبته، وفيها قدْرٌ وافر من رثاء النفس المستضعفة المخذولة من حبيبها، والمُجبرة من أهلها على الزواج من رجل لا تريد الزواج منه:

ستطولُ لياليكَ

بعدَ بثينةَ،

لكنَّما سوفَ تألفُها

يا جميلُ

سوفَ تصنعُ فيها

بثينةً أخرى

تعانقُها في القصائدِ

سوفَ تغنِّي

لها ولنفسكَ

أغنيةَ كنتَ تهذي بها

فوقَ حضني،

سيزهرُ غصن الغناءِ

ويقصُرُ ليلُ المغنِّي…

ولكنْ، تُرى

كم ستُغْنيكَ

تلكَ البثينة عنِّي؟

القصيدة السابعة (الخيمة) تكشف عن وجهٍ من وجوه بثينة، هو وجهُ المُتحلِّلة من أعذار العفة، والمحافطة على دلالها الأنثوي في الوقت نفسه، مُغويةً مُقبلةً على حبيبها غير عابئةٍ بالعواقب. والخفَّة التي تتبدى في شخصية بثينة في هذه القصيدة تُعدُّ ضربًا من التمرُّدِ على شخصيتها المستسلمة لمصيرها التراجيدي في القصيدة السابقة، إذ يبدو من الناحية النفسية أنْ القهر الاجتماعي الذي ألزمها الزواج من رجل غيرِ حبيبها، قد خلق لشخصيتها وجهين، وجهًا يتظاهر بقبول الأمر الواقع في العلن، ووجهًا يبطنُ الرفض في السِّر. والقصيدة تعبِّر عن الجانب السرِّي في هذه الشخصية المزدوجة، الحبيبة التي تدعو حبيبها للقائها في خيمتها.

عجِّلْ.. عجِّلْ

وتعالَ

أريدكَ

بينَ يديَ

هنا

والآنْ

أبعَدْتَ كثيرًا

في الظلِّ

وقدْ آنَ أوانُ العودةِ

للألوانْ

الليلة

سوف نُزوِّجُ

هذا الحبَّ العذريَّ

ونطعنُ صدرَ الحرمانْ

القصيدة الثامنة (طَلَل) هي قصيدة بثينة بعد أن عفا الزمن على حكايتها مع جميل، وقد عاشت بعده سنين، وصارت حكايتها ظلًّا من ظلال الماضي البعيد، وداخلتها الشكوك في أذهان مَنْ لم يُعاصِروا جميلًا، ولم يعرفوا بثينة في صباها. وسؤال ابنتها لها عن صحة الحكاية يكشف مدى التبدُّل الذي أحدثه الزمن في هيئتها مقارنةً بصورتها في قصائد جميل، فيكاد الناظرون إليها في شيخوختها لا يصدقون أنها المرأة الجميلة المعشوقة نفسها في القصائد:

يا جميلُ

كبُرتُ كثيرًا

ولم يبقَ منِّي

سوى طللٍ

في القصائدِ

يبدو لناظرهِ

مقفِرا

القصيدة التاسعة (النَّهر) وفيها تُظهر بثينةُ وجهَها النرجسي مقابل نرجسية جميل وذاتيته المفرطة في أنانيتها، وتقابل أنانيته الذكورية باعتدادها بأنوثتها، وتردُّ على هجره بإثارة غيرته:

والمحِبُّون عندي سواسيةٌ

لا أُفرِّقُ

ما بينَ مَنْ جاءَ أمسِ

ومن سيجيءُ غدا

كنتَ سيِّدَهم عندما كنت

خادمَ نهري الكبيرَ

ولكنْ

بثينةُ

ما كنتَ يومًا لها سيِّدا

في القصيدة العاشرة (الدَّالِيَة)، تفصح بثينة عن وجهها الإنساني المُجرَّدِ من أقنعة الخُيَلاء التي ألبسها جميل لها، وارتضت هي أنْ تلبسها استحسانًا منها لصورة المرأة المُتَعالية القاسية المشاعر. وهي بكشفها عن هشاشتها وضعفها، إنَّما تطلب من حبيبها أنْ يشاركها نزع الأقنعة التي يتقنَّعُ بها، وأنْ يُسْقِطَ من ناحيته الصورة المزيفة التي رسمها لنفسه عاشقًا جوّالًا في البلاد، مستعذِبًا البكاء والشكوى من ظلم حبيبته:

يا جميلُ

إلامَ تسافرُ كالغيمِ

فوقَ حنيني

فتذبلُ دونَ يديكَ سنيني

وتنجرِفُ

في القصيدة الحادية عشرة (جميل)، تكشف عن تشابك الحبيبين وانفصالهما، وائتلافهما واختلافهما، في علاقة مركبة معقدة، يجمعهما الإعجاب، ويفرقهما اختلاف الطباع، تربطهما الحاجة إلى الآخر برباط متين، ويَلَذُّ كلٌّ منهما بصحبة الآخر، وبما يُكنُّهُ من مشاعرَ نحوَهُ تملؤه رضًا، لكنَّ إحساس اليأس كان يعكِّرُ صَفْوَ العلاقة، وطولُ الانتظارِ يفسدُ الأمنيات:

كان يبكي كطفلٍ

ويضحك…

كالماء يرضى

ويغضبُ نارا

وأنا كنتُ

عاصفةً مثلَهُ

وجَرحْنا الغرامَ

شِجارًا

شِجارا

خاتمة القصائد (الأرملة)، رثاء بثينةَ جميلًا، ونهاية الحكاية الإنسانية، وبداية الحكاية الأدبية. لكنَّ بثينة ترثي نفسها مع جميل، وتغلقُ باب قلبها، وتعلنُ نفسها (أرملةَ الحُبّ)، وتنعى الحكاية الإنسانية والأدبية على حَدٍّ سواء:

أهذا هو الحُبُّ

يا صاحبي

لقدْ هَدَّنا

مُقْبِلًا مُدْبِرا

ولمْ يَبْقَ مِنّا

سوى أثَرٍ

وسرعانَ ما نَمَّحي

أثَرا

تستحقُّ النزعة المسرحية الدرامية في مشروع عبد الله أبو شميس الشعري نظرة مستفيضة جامعة، في هذا الديوان، وفي دواوينه السابقة، بأدوات النقد الأدبي التشريحية المتخصصة، وهو ما لا يتَّسِعُ له المقال في هذا المقام. إلَّا أنْ القارئ الحصيف المتذوق يَلْمسُ بوضوح في قصيدة أبي شميس امتزاجًا متوازنًا بين بعدين شعريين رئيسين، البعد الجمالي، والبعد المعرفي، يُؤَهِّل قصيدته لأنْ تمْلكَ حِسَّ القارئ وعقلَهُ معًا، وما كان هذا التَّمكُّنُ من الصنعة ممكنًا لولا تَبَحُّرُ الشاعر في التراث الشعري العربي، والديني الإسلامي، ولولا اطِّلاعه الواسع على الحداثة الشعرية، وأساليبِها في مراحلها المختلفة، وتجاربها المتنوعة، فتبدو قصيدته عميقة الجذور، وطالعة من تُربة خصبة، لكنَّ مُتنَفَّسها جديد، وثمارها طازجة.