حجم صورة كفر الصور مال الموقع

حضور لافت للدارة في الدورة الثانية لمهرجان أبوظبي للشعر

تشارك دارة الشعر العربي بالفجيرة، ولمدة أيام ثلاثة، في فعاليات مهرجان أبوظبي للشعر في دورته الثانية، وسط حضور كثيف من شعراء ومثقفي الإمارات والوطن العربي.
يحتشد جناح دارة الشعر العربي بالعديد من إصداراتها الشعرية لكبار وشباب الشعراء العرب، الجناح الذي شهد إقبالاً لافتًا وكثيفًا لعدد من الشعراء والكتاب البارزين على رأسهم سعادة الأستاذ الدكتور محمد أبو الفضل بدران الأكاديمي البارز، والشاعر د. حسن النجار، والشاعرة نجاة الظاهري، والشاعرة د. حنين عمر، والشاعر عبد العزيز باروت وآخرين.
تأتي مشاركة الدارة في المهرجان تكريسًا لحضورها الشعري الفاعل، وتوجهها الإبداعي المفارق، في المشهدين الإماراتي والعربي على حد سواء.

حجم صورة كفر الصور مال الموقع 16

الأمسية الشعرية لمعرض القاهرة الدولي للكتاب 2026

نظمت دارة الشعر العربي في جناح حكومة الفجيرة ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب، الأمسية الشعرية التي ضمت الشاعر عبد العزيز الزراعي من اليمن، والشاعر علي الشعالي من الإمارات، والشاعر محمد الحمودي من الإمارات، والشاعر محمد عرب صالح من مصر، وأدار الأمسية الشاعر أحمد جمال مدني من مصر، والذي ‏افتتحها مشيدًا بقدرة دارة الشعر العربي على استثمار معرض كبير وبارز كمعرض القاهرة الدولي للكتاب في إقامة هذه النوعية المميزة من الأمسيات التي تمد الجسور بين الشعراء من مشاهد شعرية عربية متباينة لتكوين صورة بانورامية لمشهد شعري عربي واحد.

 

‏تنوعت قصائد الشعراء الأربعة ‏بين الشعر العمودي وشعر التفعيلة، ‏كما تنوعت في أغراضها بين الغزل ومحبة الوطن والحنين إلى الديار ‏والانحياز إلى الإنسان ‏في اغترابه الأبدي.

حجم صورة كفر الصور مال الموقع 15

حفل توقيع الأعمال الكاملة للشاعرين أحمد بخيت وإيهاب البشبيشي

ضمن البرنامج الثقافي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب ٢٠٢٦، وفي منصة جناح حكومة الفجيرة، نظّمت دارة الشِّعر العربي حفل توقيع وقراءات شعرية للأعمال الكاملة للشاعرين المصريّين أحمد بخيت وإيهاب البشبيشي، والصادرة عن الدارة ضمن مشاريع النشر والإصدارات الخاصة بها.

حجم صورة كفر الصور مال الموقع

أمسية يناير 2026

في مستهل فعاليات العام الشعري الجديد، أقامت دارة الشعر العربي بالفجيرة السبت 17 يناير، أمسية شعرية ضمت الشاعر الإماراتي أحمد العسم، والشاعر العماني حسن المطروشي، والشاعر المصري حسن عامر، وأدارت الأمسية الشاعرة السودانية مناهل فتحي.

في الأمسية التي حظيت بحضور واسع من جمهور الشعر العربي ولفيف من المثقفين والكتاب في الفجيرة، ألقى الشاعر أحمد العسم عدة قصائد تنوعت بين الفصيح والشعبي، ومنها:
أعدك يا ساهر الليل
بفتح الباب ومفتاح العودة
بوصل مميز في هدوئه ودفئه
بالحب والمودة الأكثر حميمية
بحرية الرأي سأضعها أمام الباب للاطمئنان
سأهديك يا ساهر الليل..
حتى تعود!

فيما تألق الشاعر حسن المطروشي، مزاوجًا بين القصيدة التفعيلية والعمودية، ومما ألقى:
من مقلتيها حروب الأرض تبتدئُ
وفيهما أُحرقُ الدنيا وأنطفئُ

أومأتُ للريح لا تدنو لشطهما
فثمَّ قلبٌ على الماءين يتكئُ

هذا الهواء جحودٌ لا يُصدِّقُني
إن قلتُ لاحت لعيني فيهما سبأُ

فيما كان ختام الأمسية مع الشاعر حسن عامر، الذي أنشد للتجربة الإنسانية المفعمة بالمآسي والمشي الطويل وحكمة المشاوير والآلام:
عمَّنْ تفتِّشُ
في صحراءَ فارغةٍ إلا من الخوفِ؟!
وَهمٌ ما تشاهِدهُ
وموعدٌ في غموضِ الرملِ ملتبسٌ
هذا السرابُ الذي سرًا تواعِدُهُ
وكلُّ شيءٍ قليلٌ في حقيقتِهِ،
وضائعٌ كلُّ شيءٍ أنتَ وَاجِدُهُ
فاتركْ لهم فتنةَ الأحداثِ،
مكتفيًا بالموتِ وحدكَ
من معنًى تكابِدُهُ

DSC04645 1024x684
حجم صورة كفر الصور مال الموقع 12 1200x500

الندم المبتسم .. تلويحة محبة لوديع سعادة | محمد مركح

WhatsApp Image 2025 12 28 at 21 44 e1767119601855 600x600

محمد مركح

شاعر وكاتب سوداني

علاقتي بوديع سعادة ليست علاقة قارئ بشاعر، ولا علاقة شاعر بشاعر؛ هي علاقة في صميمها تجمع بين يتيمين. فارتباطي بشعره لا صلة له بدوره وقيمته في تثوير النَّصِّ الشعري الحديث والانفلات به عن مداراته التقليدية، بل لأن هذا الشاعر بالتحديد أعود إليه كلما تذكَّرتُ جسدَ أبي ممدَّدًا على طاولة خشبية، وجرحًا يمتد من أعلى صدره إلى أسفل بطنه، ويأخذ شكل الصليب. تلك العودة شكل من أشكال «الندم المبتسم» الذي يجعل من «قصيدة جميلة تُنسينا أو تجعلنا نسامح كربةً قديمة»، وما بين القوسين لـغاستون باشلار.

 

كل الشعر الذي قرأته بعد ذلك كان لاستيعاب ذلك المشهد، ولفهم ما حدث لي في تلك اللحظة المربكة والمعقَّدة. الشعر لم يكن مستحيلًا بعد غياب أبي، بل ممكنًا أكثر من أي وقت مضى، وبالأخص لو كان لشاعر مثل وديع سعادة، والذي تعلَّمتُ منه في بداياتي الشعرية كيفية تحويل الحزن الكامن في هديل الحمام إلى كلمات، وأنا أعاين افتقادي لحضور أبي عند كل صباح.

 

أكتبُ عن وديع سعادة لأحتفي بحميمية الخسارة ودفء الحسرة الرقيقة، بالشعر الذي يبعث في الأحاسيس الأصيلة دفقات هادرة من الخيال الخصب:

«سأذهب إلى الغابة مع الحطَّابين

وبفأس دهشتهم

أقطع أحلامي وألقيها في النار.

يقول الحطَّابون:

اليابسُ يُقطع».

سألني صديقي قبل أكثر من عشرة أعوام عن جدوى الشعر؛ وقتها تعثَّرتُ في صياغة ردٍّ مناسب، ووجدت أن التحذلق والتلفيق سيتخلَّلان أي إجابة تبدِّد ريبته وشكَّه، فالشعر وقتها لم يتجاوز كونه نشيجًا طفوليًا على صدر اللغة. لو سألني الآن سأصمت أيضًا، وسأمنحه دواوين: «رتق الهواء»، و«غبار»، و«المياه المياه»، و«مقعد راكب غادر الباص»، و«بسبب غيمة على الأرجح». سأترك مهمة الإجابة لوديع سعادة؛ فهو شاعر لا يجيد الادِّعاءات والتنظير، فقط يكتب شعرًا خالصًا يحلبه من ضرع مخيِّلة فائرة، شعرًا يلتحم بفداحة تجربتنا على هذا العالم. هو شاعر يقدِّمُ الشعر كما نحتاجه، الشعر كما نفتقده.

 

من وديع سعادة أدركت أن قصائدنا نكتبها لآباء لا يوجدون، آباء غادروا وتركوا خلفهم أبناءً يتفاقم بداخلهم اليتم والوحدة والشجن:

«لماذا أتذكَّرُ أبي الآن؟

كنتُ طفلًا حين أوصلته إلى القبر

لكنهم كانوا ينظرون إليَّ

وكان من اللياقة أن أشيخَ أمامهم».

ينطلق وديع سعادة في هاجسه الشعري من ممكنات الاحتراق وخيارات الاشتعال، يكتب بذاكرة متفحِّمَة تؤسِّس لكينونة تخترع الرماد أبجدية، وتستعيد تجربتها في حفلة الشواء الكوني بكامل الحفاوة:

«حين ودَّعتُه لآخر مرة

كان ذلك على الشاطئ

ثم تصاعد من بيتنا دخانٌ كثيفٌ

وكان للدخان رائحة لحم محروق

وصار أبي هيكلًا عظميًا أسود

صعدتُ وألقيتُ نظرة أخيرة على فحمه

مضيتُ حاملًا وحدي حطب الحياة».

وديع كائنٌ هشٌّ يرفض الشعر الذي يقترح ذاتًا بطولية ومتضخِّمة، يرفض مهمَّة تستعير وجودها الباهت في نصّ ممتلئ بالركاكة؛ فالنص الذي لا يبرِز توعُّك الروح، والتهاب الوعي، وتعرُّق الجسد، ينعرج بالقصيدة إلى مأزق الفصاحة الساذجة. لا بدَّ للشاعر من امتلاك ديناميت يفجِّر به اللغة، ويبعثر أناقتها المزعومة، بتوريطها في الحضيض، والمهمَّش، والمرفوض، والمهمل، لتنخرط بشكل جدِّي مع هذا العبث واللاشيء، وتعترف بمدى تفاهة وخِفَّة سلطتها على حضور احترق بالغياب. الشعر عنده كتابة تحت درجة حرارة عالية من السخط لإنقاذ نفسه من حالة التلبُّس بفضيحة الحياة:

«أعترف الآن أنِّي اخترعت أكاذيب كثيرة من الكلمات

ما قلته وما كتبته لم يكن سوى كذب

ابن لقيط لمخيِّلَة مجنونة

ما قلته وكتبته كان خيانة لبراءة الكلمات

هذه التي أطالبها بالبراءة

وأمارس العهر معها

لقد ظلمتُ الغيم

وظلمتُ ريش الطيور ونشارة الخشب

ظلمتُ الشجر حين قلتُ يثمر من النظرات

والجبال إذا ألبستها أقدامًا

وظلمتُ الموتى حين أعدتُ عظامهم إلى الحياة،

والحياة حين أعدتُها إلى الموتى».

نصوصه تشهق بالمخيِّلَة وتنغرز عميقًا في الشعور:

«نتسلَّقُ ضحكاتنا

لأن صراخنا شاهقٌ جدًا».

فالشعر الحقيقي هو الذي يقودك بإصرار إلى اللا-وجه واللا-اسم، الذي يفضح عُريكَ من رداء محاكٍ برشاقة السقوط، لتنتصب عاريًا دون ملامح:

«نزلتُ آخر نقطة. كنتُ في غيمةٍ ونزلتُ.

هل أنا الباحث عن شخص ذائب أم أنا الذائب؟

أم أنِّي، من كثرة البحث عن ذوبانه، ذبتُ مثله».

الشعر صيرورة تتراوح بين الطفولة والموت، باعتبار أن الشعر لا يتحقَّق شرطه الجمالي إلا بمجابهة الذات. الطفولة بصياغة قراءة جديدة للمفهوم البارتي، نسبة إلى الناقد الفرنسي رولان بارت «الكتابة من درجة الصفر»، باقتراح الكتابة ببراءة البدايات، وليس كما وقر في خلد البعض بابتدار الكتابة دون تحيُّزات ومضمرات مسبقة. فالشعر موقف من الوجود لا يتأسَّس على فراغ، بل ينهض من وعي يكتنز رؤية شاملة وإدراكًا كليًّا. والموت، كحقيقة حتمية ونهائية، لا تجدي معها أنصاف الحلول، بل محفِّزًا يستنفر مكنون التجربة الشخصية، ويتمّ التصالح معه بصدق الأجوبة؛ فالشعر في جوهره افتتاح للتساؤلات. هنا يطلُّ الغياب كتساؤل مركزي في مشروع وديع سعادة الشعري، ويَسِمُ الكثير من نصوصه، ويأتي ديوانه «نص الغياب» شاهدًا على هذا الهاجس الوجودي:

«أمدُّ إشارات يدي إلى الأصوات التي صارت بعيدة،

وأعيدها إلى الحنجرة.

أفرش لها قميصًا تحت صوف الهندباء،

وأنام قربها.

في هذا المكان الضيِّق،

 حيث يلعب النيام والموتى الورق،

ويتبادلون الأدوار».

للغياب في شعر وديع سعادة أكثر من صورة؛ فمرَّةً يكتب عن غياب المكان:

«ويقول الذين بقوا في القرية

أن كلبًا غريبًا كان يأتي كل مساء

ويعوي أمام بيوتهم».

ومرَّةً أخرى يأتي كغياب للمعنى:

«من يحبُّ أولاده لا يورِّثُهم صورته

لا يهديهم ذاته

لا يترك لهم ذاكرة

من يحبُّ أولاده يمنحهم النسيان».

كما أن الحزن في شعر وديع أصيل، والخيبة راسخة، فليس مبذولًا للجميع أن يقنعوا بجدوى حزنهم:

«لا أخال الأرض محمولةً إلا

بكثافة الآهات.

……

كل هذه الرياح ليست سوى

آهات بشر».

شكرًا وديع، لأنك بكل هذا الصدق، وهذا الجرح، وهذه اللغة الحارقة التي تمضي مليًّا داخل الروح. لا أملك خطَّة معيَّنة لهذه الليلة سوى الحديث مع امرأة سخية تمنح المساء نايًا يعانق به وجه القمر البعيد، وقراءة نصوصك التي تمنح للمساء إخوة!

حجم صورة كفر الصور مال الموقع 13 1200x500

شميسة النعماني تزرع الريح قمحًا ولغة | عمر الراجي

WhatsApp Image 2025 12 28 at 21 43 e1767119231532 600x600

عمر الراجي

شاعر وكاتب مغربي

لم يعد سؤال الحداثة في النص الشعري يثير الجدل كما كان في السابق. ذلك أن التحديث بوصفه حالة بنيوية في النص أصبح اليوم يتجاوز الشكل إلى ما هو أعمق. نتحدث اليوم عن سعي جمالي حثيث يروم تحديث الرؤية الشعرية وخلق الأفكار، ويعبِّر عن نضج التجربة التي ينبغي أن تنمو معها قصيدة حديثة تجايل سياقها العام والخاص. كما لم يعد يقتصر مسار التجاوز في الشعر العربي المعاصر على خلق الفارق في الشكل أو صنع قوالب فنية لا تفعل شيئًا سوى التنويع في حركة الإيقاع. بل أصبح هذا التحديث بالأحرى حفْرًا مُضْنيًا في جماليات النص الداخلية، وبحثًا عن “الَّلا مُتاح” من سماء الإدهاش والتأويل والسؤال.

وفي إطار قراءتنا لديوان الشاعرة العمانية شميسة النعماني “سأزرع في الريح قمحي“، والذي يتضمن عشرين مقطوعة شعرية تتنوع فيها الأشكال وتتحد في قيمة فنية واحدة هي السعي إلى التحديث الواعي. يبدو القالب الشعري الغالب تفعيليًّا، وتصبح معه الحاجة إلى الانسجام بين هذا الاختيار الجمالي الحديث وبين مضمون القصيدة الثقافي شرطًا أساسيًّا لا غنى عنه.

“سأزرع في الريح قمحي” للشاعرة العمانية شميسة النعماني مجموعة شعرية تعِدُنا بأمطار غزيرة من القصيد العذب. وتحملنا معها إلى عوالم من الوعي المتقد بالقلق والأسئلة، وتفاصيل عميقة من السرد الشعري الشفيف. إنه سرد محكم يَعِدُ كل مرة بشيء آخر لم يكشف عنه النص في البدايات. ما يجعلنا باستمرار نبحث في التفاصيل عن أجوبة متمنِّعة، ونخفق في كل مرة. لقد أتقنت الشاعرة هذا الأسلوب الذي يلاعب القصيدة بمهارة اللغة وكثافة المجاز، في عالم من الشعر يشي بالغموض وتتخلَّله مساحات واسعة من الأمل الذي تبعثه كما تصف “إلى المفتونين بالحياة”. إلى أولئك الذين يبعثرون الريح والقمح كما شاؤوا، وشاءت لهم الحياة.

“أنا لا أحد” مفتتح من الشعر التفعيلي يجعلنا نقف عند فكرة النفي المقصود للأنا/الذات. وهو بلا شك موضوع جوهري في الشعر الحديث على مستوى العالم ككل. إنه نفي عابر للذات الشاعرة وإثبات لشعريَّتِها في الآن نفسه. وهو في القصيدة نوعٌ من مساءلة العالم عن موقع الذات الإنسانية فيه، وهي التي تضمحِلُ وتتضاءل أمام سطوة الحياة وجبروتها.

“أنا لا أحَدْ،

أنا يأسُ آمالٍ لها جَزرٌ وَمَدْ

أنا صوتُ ريحٍ أرهَقَتْ عَزْمَ الْوَتَدْ”.

هكذا تنفي الشاعرة عنها تهمة الوجود، وذلك ديدن الشعراء في كل العصور. لكن ربط الشاعرة بعد ذلك لحالة النفي والاغتراب الوجودي بعناصر أخرى تمثلها الريح واليأس وحركة المدّ والجزر، يبدو وكأنه إيحاء رمزي مقصود يدل على نوع آخر من التشكُّل الوجودي الذي يمثله النّفَس الشعري. من هذا المنطلق، تنتفي ذات الشاعرة لتتحقق شعرًا. وتذكِّر هذه النزعة باتجاه فلسفي أسَّس له الفرنسي موريس بلانشو في كتابه (الفضاء الأدبي) مُركّزًا على دور الأدب في تفكيك الذات الإنسانية.

“أنا دمعةُ الحزنِ التي شاخَتْ على وجه الحياةِ تجُولُ من خدٍّ لِخَدْ

أنا جمرةٌ المعنى التي انطفأتْ،

ولا سِحْرٌ يُعيدُ الرُّوحَ في جسدٍ هَمَدْ

أنا أبجديَّةُ غائبٍ فرَّتْ إلى الأوطانِ يسألُها الحنينُ عن الْمَدَدْ”.

في هذا المقطع الشعري المكثف تتكشَّف جملة من الأمور التي يمكن الإشارة إليها على شكل ملاحظات رئيسية تميط اللثام عما أسميناه منذ البداية: سعيًا إلى الحداثة الواعية. أولى هذه الملاحظات هي اللغة التي ترتدي ثوبًا من الرموز وترسخ بها الشاعرة خصوصية تجربتها الوجودية. فجمرة المعنى تحيل على مأزق القصيدة ومحنة الأسئلة ومخاض الوصول إلى الأفكار العالية، حيث تشتعل الروح وتقبض الكلمات على جمر الشعر كي تبلغ منه القصيدة أخيرًا أفُقَ المعنى. إنها طاقة شعرية يتجدد فيها الخيال ويمتد إلى ما هو أكبر من الصور والاستعارات الطارئة. في هذا المنحى يصبح الخيال ذا دلالات فكرية تصنع وجودًا فنيًّا يعوض غياب الذات واغترابها في دروب الحياة الحقيقية. هكذا تحضر “الأبجدية” كناية عن اللغة الشعرية وتصبح طاقة الكلمات هي الدليل الذي يرشد الغائب ويعيده بأجنحة الحنين إلى وطنه الغائب في الحياة، وهو الحاضر دومًا في اللغة.

فكرة الوطن هي الأخرى جزء من سعي الشاعرة إلى التحديث بوعي فكري تصبح معه القصائد حمَّالة للمعنى وللهم الفكري الذي يؤرق الإنسان المعاصر. ذلك الإنسان المحاصر بصرخاته وقلقه إزاء الوجود والحياة والواقع المعيش، يومًا بيوم ولحظة بلحظة. ويذكر هذا أيضًا باتجاه فلسفي في الشعر جسَّده إليوت في (الأرض اليباب) حين قدَّم الوطن كرمز عاطفي للهوية الثقافية المفقودة.

“وطني دِثاري” قصيدة في الديوان تعيد تعريف الوطن بما هو أبعد من حدود البداهة وأكبر من المعنى الأرضي للبلاد. الشاعرة في هذا الجزء لا تعرِّف الوطن بما يتيحه لها الواقع من تفاسير جزئية مقتضبة. بل تجعل لهذا الوطن الحقيقي/الرمزي سُلطةً فلسفية على اللغة تطوِّعها الشاعرة جاعلة من المجاز جناحًا تطير به الأخيلة نحو معانٍ أخرى للوطن تتعدد بتعدد الأفكار وتتوحَّد في عذوبة الشعر.

“وطني الذي احتَشَدتْ له الأسماءُ والرؤيا

يصُفُّ النُّور في مُقَلِ النُّسُورِ

يُوزِّعُ الأيام في قِممِ النَّهارِ

وطني حكايا النخلِ وابنُ شموخِها

بيتُ القصيدةِ والوتدْ

وعلى خُطاهُ سُلالةُ الحجرِ القديمةِ أخصَبَتْ ضوءًا

وشبَّ النّاسُ شمع الليلِ

يحتفلون بالوطنِ الذي أسرى إليه الدربُ،

ممتشِقًا رؤى النَّارِ…”.

إنه الوطن الحقيقي الذي يعلو في سماء معناه فيصبح رمزًا ينضح بالأفكار العالية ويضج بالدلالات. هو وطن محتشدٌ بالأسماء وبالرؤيا. وهو بذلك متجدد ومبدع ومستشرف للأفق البعيد. وهو نفسه الوطن من يبعث النور ويمتشق رؤى النار. كل هذه الصفات الماورائية تمنحها الشاعرة للوطن فترتفع سماء التأويل في النص وأفكاره، وتلك سمة حداثية بارزة في الشعر المعاصر. ذلك الشعر المتجاوِز، الذي لا يكتفي برسم ملامح الحداثة في الشكل، بل يفتح بالنص أبواب الرؤى ويصنع من الخيال رؤية الشعراء الخاصة لما يكتبون عنه. نجد هذه الميزة في شعر شميسة النعماني حاضرة بقوة من خلال قراءتنا التأويلية لنصوص الديوان. كما نلمس أيضًا تلك النفحة الحداثية في الرؤية عند شميسة النعماني، من خلال عدد من الجمل الشعرية داخل النص. إنها جمل مترابطة بنيويًّا، تعيد قراءة فكرة الوطن بصورة غير مطروقة. إذ تمزج بين مفهوم الوطن العادي والماورائيات، وتدفع القارئ إلى البحث في دلالة العلاقة بين الشاعر المعاصر وفكرة الوطن. ومن المعروف أن استضافة هذه المفاهيم العامة في الشعر يُعَدُّ سمة مميزة من سمات التحديث عمومًا. لكنه هنا يعتمد في اشتغاله على حِسٍّ واعٍ من الفكر والتحليل، داخل قالب جمالي يحفظ سمو اللغة الشعرية ويصون جمالها.

ويستمر هذا الدفق الشعري الحديث في العبور مُلامسًا حالات أخرى ومساحات غير مطروقة من الإحساس الواعي بصنع الفكرة والانتصار لجمالياتها شِعرًا. من ذلك بحث الشاعرة في قيم إنسانية كونية كقيمة الحب مثلًا. وهو حب لا تستحضره هي من منطلق غزلي مكرور، بل تربطه بعناصر الشعرية نفسها. فالمحبة كما الحُسن يتجليان بتجلي الكون والشعر والكلام.

“أحبُّكَ والبحرُ أنتَ

وأنتَ القصيدةُ عاليةً في بُروج الكلامْ

أحبّك والسِّحر أنتَ

وأنتَ “الصَّبا” في فنونِ المقامْ

أحبُّكَ كمْ يُشْبِهُ البحرُ صوتَك يا سدرةَ الروح يوم التَّجلِّي…”.

وتتضح في لغة هذا المقطع تلك النفحة الحداثية، وهذا الميل نحو ربط قيمة الحب بعناصر أخرى من صلب الشعر، كالقصيدة والكلام وفنون المقام. ولا يتعلق الأمر هنا “بالميثا شِعر” أو الشعر الذي يناقش الشعر، بقدر ما هو اختيار فني مدروس يعرِّف القيم الإنسانية الكبرى بعناصر جمالية فنية فريدة. هكذا يصبح الحُسن والجمال مرادفًا للقصيدة المتَّشِحَة بالسِّحر والعالية في بروج الكلام.

“لأنكِ أنثى

“تمُرّينَ فاتحةً للمواني…

سراجًا لقافيةٍ تتجلَّى

تكونينَ ماءَ المعاني

وأنتِ الحقيقةُ

لولاكِ ما هوَّمَتْ بالغيومِ النَّوارسُ

ما اكتنزَتْ بالحنينِ الحقائبُ

ما أزهرَتْ بالأغاني المزارعُ

ما رفِّ صمتُ الخُزامى وثارْ”.

لا شك أن قضية الأنوثة لا تقف عند عتبات الإبداع، بل هي موضوع يجد أثره في الأبحاث الفكرية والاجتماعية على نطاق واسع. ما تفعله القصيدة هنا هو أنها تربط خصوصية الأنوثة بالأسئلة الوجودية الكبرى، وبعناصر الجمال في الطبيعة، كي تجعل الأنثى شرطًا من شروط الثبات والطمأنينة والاتزان في الكون. وتتقاطع هذه الرؤية مع فكرة الاحتفاء الشعري بالخصوصيات، وبالتركيز على الهوامش الرمزية والمادية. عبر هذا السلم النفسي تحديدًا تكون قصائد الديوان قد ارتفعت إلى مستويات الحداثة الواعية.

وما يمكن قوله في الختام هو أن ديوان “سأزرع في الريح قمحي” يقدم صورة عن الكتابة الشعرية الجديدة والجادة التي تنتصر للتحديث وللقصيدة الحديثة. لا سيَّما تلك القصيدة التي تبتكر أسلوبها وتستند في بنائها على أبعاد ثقافية تعززها الرؤى وتحتفي بها اللغة.

حجم صورة كفر الصور مال الموقع 14 1200x500

كيف تمكَّنَ الشَّرْقُ من شاعر روسيا الأول “ألكسندر بوشكِن”؟! | عباس ثائر

WhatsApp Image 2025 12 28 at 21 41 e1767118906736 600x600

عباس ثائر

شاعر وكاتب عراقي

ما كانت لحظة عابرة، ولا لذة ثقافية زائلة، ولا حدثًا آنيًّا، في حياته الشعرية، اقترابه من الشرق. بل كان انقلابًا داخليًا وتحولًا ثوريًا عميقًا، أعاد تشكيل رؤيته للشعر وتصحيح نظرته نحو العالم. فمنذ أن أقام قسرًا في مدينة ميخايلوفْسْكويِه، أطل بوشكِن من شرفتها على عالم آخر، عالم يقوده الكَلِم، رَائيًا ما لم يَرَه أو يجده في الغرب: الحكمة، والبعد الأخلاقي المعرفي، والصوت الإنساني، الذي يتخطى الزمكانية.

في تلك السنوات التي عاشها صاحبُنا في مدينة ميخايلوفْسْكويِه المقسور عليها، كان يقرأ القرآن والشعر الفارسي، وهذا الذي مكَّنه لاحقًا من إعادة النظر في معنى الشاعر ودوره، لتنبثق من وحيه الروحي إلى الوجود تجربة شعرية جديدة ثرَّة مغامرة، على هيئة قصيدة، مؤلفة من تسعة مقاطع، كانت أكثر تجاربه إثارة للجدل: «محاكاة القرآن».

لمْ تكن هذه القصيدة ذات النبرة الجديدة على صاحبها ومن يتلقاها، تقليدًا دينيًا، ولا محاولة غريزية لأن تمثل الإسلام من داخله، إنَّما كانت في أصلها قراءة الشاعر لنصٍّ أدرك فيه بلوغَ القوة والجلال أقصى بلوغ. وجد نَصًّا يشفي اللغة من نحولها، ويسرج الضوءَ في الضمير ليوقِظَه. وقد أدرك بوشكِن الفرادة التي أوغل فيها القرآن بصفتها نصًّا لمْ يكُ له كفؤ شبيه، لكنه حين تلقاه قد احتسبه نصًّا أخلاقيًا وشعريًا، وليس نصًّا من “الوحي الديني” وهو ما يوضح قولته في واحدة من رسائله: «أعمل في سبيل مجد القرآن»، ولمْ يقل في سبيل مجد الله، هذه العبارة بيَّنَت المسافة التي حددها “شمس الشعر الروسي” بين الإعجاب الأدبي والاعتقاد الديني.

إن اللافت في قصيدته «محاكاة القرآن» ما يبدو من خلالها أنه لمْ يكتفِ بقراءة القرآن، بل تخطَّى ذلك، إذ يبدو أنه اطَّلع على سيرة النبي، فقد صوَّر صورةً للنبي العربي تقترب ملامحها بعض الشيء من الواقع التاريخي. ومع هذا، فإن هذه المعرفة ما كانت عميقةً بما فيه الكفاية لتكون معرفة «من الداخل» بل هي نظرة القارئ المتفحص المبهور، رأى في النصِّ الذي قرأه درَّةً أخلاقية وروحًا شعرية كبرى، أي أنه أمسك طاقة جبارة فجعل منها مرآة لأسئلته الخاصة. وقد تناست الصحافةُ والإعلام الروسي آنذاك هذه التجربة “البوشكنشرقية” لكنَّ ناقدًا كبيرًا مثل فيساريون بلنسكي التقط صميمها مبكرًا إذ قال: “إن العمل الفني العميق لا يُفهم من القراءة الأولى، بل ينكشف طبقة بعد أخرى، كما تنكشف الكتب المقدسة لقرَّائها مع تكرار التلاوة”.

إنَّ مغناطيس الشرق المعرفي لمْ يتوقَّف عند جذب بوشكِن إلى القرآن فحسب، بل يجد القارئ في شعره -أحيانًا- تتمظهر آثار بيضاء للشاعرين الفارسيين الصوفيين سعدي الشيرازي وحافظ الشيرازي، وعلى الرغم من الافتقار إلى الدليل القاطع على أنه قد اطَّلَع مباشرةً على نصوصهما في ترجمات مبكرة، لكن حضورهما كنسق مضمرٍ في كثير من نصوصه الشعرية لا يخطئه قارئ متفحِّص متأنٍّ؛ فلطالما ذكر اسميهما معًا، واصفًا إياهما «زهرتا الشِّعر الشرقي».

في قصيدته «من حافظ/ معسكر على الفرات»، التي كتبها عندما استقر به الحال في ما وراء القوقاز، قد يبدو التداخل بين التجربة الشخصية والرمز الشرقي ملحوظًا. فإنَّ الحرب في القصيدة لمْ تكن سوى خلفية، بل لمْ تكن إلَّا قناعًا وإن كانت هناك دلالات تشير إلى رفضها لها، كقوله: «لكنِّي أخشى، في خضم المعارك، أن تفقد خجلك الرقيق في الحركات…إلخ»، أما اللُّبُّ الحقيقي فهو الغربة، والاختبار الوجودي، والجمال بصفتها منقذًا وخلاصًا. وحين يذكر ملك الموت عزرائيل في القصيدة ذاتها: «عزرائيل بين السيوف، سيبصر جمالك؛ فيرحمك»، فإنه لا يشير إليه محتسبًا إياه تهديدًا، بل عادَّهُ قوةً خلَّاقةً تُبصِر الجمال فتتراجع عن سحْقِه، مثلما تراجعت المحنة الكبرى أمام جمال ابن يعقوب، يوسف النبي، في الميثولوجيا الإسلامية. وهنا تكمن الحقيقة، عندما يلتقي الشاعر الروسي بوشكِن في شعره مع روح الغزل الصوفي في شعر الشاعر الفارسي الصوفي حافظ الشيرازي، إذ أصبحت القصيدة الغزلية ستارًا وقناعًا لتجربة أبعد وأعمق: إنها الصراع مع الحياة، والصبر، والنجاة.

لكن الأثر الأبعد والأعمق في مسيرته قد ورد من ذي الحكمة المعتقة، الشاعر الفارسي سعدي الشيرازي، الذي وجد «ساشا» فيه عينةً مبهرة فريدة للشاعر الأخلاقي، المتوازن بين الجمال والمعنى. إنَّ حضور سعدي في شعر بوشكِن ما كان اقتباسًا عابرًا أو توارد معنى أو تناصَّ فكرة أو تركيبة لغوية، إنَّما كان حضورَ رؤيةٍ كاملةٍ؛ فقد تردَّد صدى حكمته في أكثر من عمل من أعماله، من «نافورة باخشي سراي» إلى خاتمة «يفغيني أونيغين»، إذ أعاد قوله: «لم يعد بعضهم موجودًا، وآخرون باتوا بعيدين».

أما قصيدة «العنب»، فقد كتب بوشكِن واحدة من أنقى وأصفى لحظاته الشعرية، عندما قارن بين ورد الربيع الزائل وثمر العنب الناضج في الخريف، في مفاضلة طيبة هادئة بين جمال سريع وامتلاء متأنٍّ. يرى بعض النقاد الروس في هذه القصيدة «أنفاسًا من كتابات سعدي»، غالبًا من كتابيه «بوستان وگلستان» لقد نجح وتفوق بوشكِن في مزج الروح الفارسية الكلاسيكية بالبنية الروسية، من دون تقليد واجترار.

حتى قصيدته «محاكاة عربية»، هي تنبع -أيضًا- في أصلها من منابع سعدي، من حكاية له عن الصداقة والحب، إذ يتماهى شخصان ليصبحا «كجوزتين في قشرة واحدة» ولا غرابة في الأمر، فقد زار ابنُ شيراز بغداد، وكتب باللغة العربية -على قِلَّةِ ما كتب- قصيدته الرائية «رثاء بغداد» إثر احتلالها على يد المغول، كما كتب بالفارسية -على كثرة ما كتب-، فكان حقًّا الجسر الأسلم بين ثقافتين، وربما دخان الاحتراق في بغداد وصل إلى بوشكِن عبر قصيدة سعدي، أو من خلال قراءته لسيرته فقرر أن يسمي عتبة النصِّ محاكاة عربية، تيمُّنًا بسعدي الذي رثى بغداد في رائيته.

وهكذا، بين القرآن وسعدي وحافظ، تشكَّل في شِعر بوشكِن شرقٌ آخر، شرقٌ حكيم معرفي ذو سؤال أخلاقي، ليس الشرق الأسطوري النزعة. وقد غيَّر هذا اللقاء مسار صاحبِ “ابنة الضابط” تغييرًا لا رجعة بعده. فإذا كان بوشكِن في بداياته شاعرًا غربيَّ الملامح، فإن سنوات ميخايلوفْسْكويِه جعلته شاعرًا كونيًا، يرى في الشرق مرآةً أخرى للإنسان، وللشعر، وللمصير.

بعد تلك المرحلة، لمْ يَعُدْ الشرق ضيفًا في شعر بوشكِن، بل صار جزءًا من صوته الشعري، وضوءًا في نظرته إلى العالم. وهنا، ربما يكمن سرُّ فرادة مؤسِّس الشعر الروسي الحديث؛ أنه وَجَدَ في القرآن والشاعرين الفارسيين الصوفيين ما يُعيد إليه معنى الشعر نفسه!

WhatsApp Image 2025 12 15 at 13 26 42 1200x500

العرض الفني: حُجَّة الحق.. عمر الخيام

“حُجَّة الحق.. عمر الخيَّام” عرض فني قدمته دارة الشعر العربي في حفل ختام مسابقة الفجيرة الدولية للخط والزخرفة، احتفاءً بالشاعر العظيم عمر الخيام ورباعياته الخالدة، موضوع المسابقة.

قدم العرض الفنان اللبناني جهاد الأطرش، بمصاحبة الفنان حسن زكي عازفًا ومُغنيًا للرباعيات.

WhatsApp Image 2025 12 15 at 13 26 41 1024x576
WhatsApp Image 2025 12 15 at 13 26 44 1024x576
حجم صورة كفر الصور مال الموقع 1

آخَرُ “أحمد بخيت” المُقاوِم | أ. د. أحمد بلبولة

WhatsApp Image 2025 11 29 at 19 53 20 600x600

أ. د. أحمد بلبولة

شاعر وأكاديمي مصري

       قدَّمهُ شِعْرُه قبل أن يُقَدِّمه أي أحد؛ فعلى أي شيء كان يراهن أحمد بخيت حين توجَّه بكُلِّيَّتِه إلى القصيدة العمودية ضاربًا صفحًا عن كل أشكال القصيدة الأخرى؟ وهل اتسعت لاستيعاب تجربته؟ هل اختار السهل؟!

    إنَّ من يعرف أحمد بخيت حقَّ المعرفة يعرف أنه يحفظ قصائد كثيرة لرواد الشعر الحر، ويعرف أنه لم يتخذ موقفًا معاديًا من قصيدة النثر. المسألة إذن اختيار، وعلى قارئه أن يتفهَّم هذا الاختيار، ويتقبَّله. لقد كتب هذه القصيدة في وقت كان التجريبُ قد بلغ غايته في الشعر في مصر والأقطار العربية لدى جيل السبعينيات، وكانت القصيدة العمودية كفيلة بأن تُزيحه من الساحة تمامًا، خصوصًا وقد كانت الهيمنة على المنابر الثقافية في تسعينيات القرن الماضي لكُتَّاب الشعر الحر وقصيدة النثر الذين كان جُلُّهم ينظر إلى القصيدة العمودية على أنها حفرية منقرضة، وإلى كاتبيها على أنهم كائنات متكلِّسَة ترفض العصر، وتعيش في الماضي؛ بل تنتصر للصحراء والبداوة على التمدن، لحُداء الإبل على صوت الماكينات في المصانع، وكان الشاعر العمودي في هذا الوقت يعاني غربةً وإقصاءً، وكثير ممن كانوا كتابًا للقصيدة العمودية حاولوا أن يوازنوا فكتبوا الشعر الحر إلى جانب الشعر العمودي؛ حتى يجدوا مكانًا أو مبررًا للقبول، وظل أحمد بخيت مستعصمًا بالقصيدة العمودية، كاتبًا، ومنشدًا، محاولًا أن يشق طريقها من جديد، وفي هذا الوقت ظهرت جائزة البابطين، وفتحت منابر الشعر خارج مصر أبوابها للقصيدة العمودية؛ فصنعت شيئًا من التوازن، نفَّست فيه عن هذه القصيدة المضطهدة التي كادت أن يطويها النسيان.

    ثم في مطالع الألفية الثالثة بدأت الجوائز الداعمة لهذه القصيدة تتوالى في العالم العربي، فصار الشاعر العمودي يولد في مصر، ويتلقى شرعية وجوده بما يحرزه من تقدم في هذه الجوائز أو من تألق على هذه المنابر، وشيئًا فشيئًا حتى ظهر جيل جديد انضم إلى هذا المشهد؛ فشكل سندًا داخليًا، ودعمًا لاستعادة روح تلقي القصيدة العمودية، إلى أن استعادت السيادة مرةً أخرى مع توالي الأجيال، وظهور تكنولوجيا المعلومات، وفق متابعة قريبة لا تحتاج إلى إحصاء.

    وخلال هذه الفترة كان أحمد بخيت طاغيًا في حضوره، وتأثيره ليس على الناشئة في مصر وحدها بل في العالم العربي من المحيط إلى الخليج، وكان الشعراء يتابعون قصائده ويحفظونها، وإن تنكَّروا له وأنكروه، وكان الشعر يأتي من العالم العربي؛ فإذا بضاعتنا رُدَّتْ إلينا، ولا يجب أن يغضب الشعراء من ذلك؛ فالركود الشعري كان يحتاج إلى من يُحرِّكه، ولقد اصطفى الشعر أحمد بخيت في الوقت المناسب، أقول هذا محذرًا الشعراء الشباب من سطوته، وأدعوهم إلى الاحتراز من الوقوع في دائرته المحرقة. فما الذي قدَّمه أحمد بخيت حتى يُحدِث هذا الأثر؟

    إنَّ أحمد بخيت الذي أعرف، ويعرفه غيري، حلَّ المعادلة الصعبة لكن على طريقته؛ فلم يستنسخ تجربة نزار قباني، ولم يقع في أسر تجربة محمود درويش، ولا استسلم لطغيان أمل دنقل شاعر القضية الواضحة -عكس ما يُشاع عنه من غير العالمين بالشعر- بل احتفظ للقصيدة بمعمارها المحكم، وموسيقاها الكاملة، ولم ينزلق إلى فجاجة التجارب، أو يتعمد الإثارة بكسر التابوهات، لا مباشرًا كان ولا مغرقًا في المجاز، بل ملتزمًا بالحقيقة فكرًا وأداءً، بعيدًا عن كابوسية التصوير، واستغلاق الدلالة، وأسلوبية الوهم والتلبيس، خلطة سحرية تقف من ورائها طاقة روحية تنقلها القصيدة فوق ما تقوله في لغة رشيقة سلسة، تهدي حكمتها ناصعة كالوردة الطازجة؛ لذلك فديوانه سجلٌّ حافل بالأحداث التي عاصرها، والتجارب التي عاشها، والتساؤلات التي يطرحها وقته وزمانه، وهو معلم شاعر أو شاعر معلم، صاحب رسالة، لا تقوده قصيدته بل يقودها، وأحيانًا يرغمها على أن تقول ما يريد أن يقول.

    عبر عشرين ديوانًا -أعماله الشعرية الكاملة التي بين يديَّ الآن- يعالج أحمد بخيت قضايا أمته العالقة، يتحدث عن فلسطين، والعراق، وسوريا، وليبيا، واليمن، ومصر، يودِّع الصحراء، ويبشِّر بالماء، يحب البشر، ويهجوهم، ويخاصمهم أحيانًا، ويدير لهم ظهره، وهو مشَّاء في الزمان والمكان، يفحصهما فحصًا دقيقًا، ويرصد رحلة الإنسان فيهما من لدن آدم، يبحث عن بيت يؤيه، وعن أمان مفقود، يبحث عن حب كامل، وصديق كامل، ووطن كامل، يبحث عن الإنسان الكامل، وفي المقابل زاهد يصل زهده أحيانًا إلى رفض الحياة:

ويا ابنَتِيَ اشهدي لأبيكِ

هل أوفيتُ واستوفَيْتْ

هما متران من دنيايَ

للثوبِ الذي أبْلَيْتْ

فهل أنقصتُ من دنياكِ

أم زدتُ اتساعَ البيتْ؟

وربما جاء هذا الرفض للحياة من يقين راسخ لديه يصل إلى أن يكون مفتاحًا لشخصيته الشعرية، يتلخَّص في إحساسه بأن عمره قصير، وإن كان الأمر كذلك فلا بد أن يكون الحضور خاطفًا كالبرق، والأثر هائلًا:

أنا ضيفٌ على الدنيا وأوُشِكُ أنْ أوَدِّعَها

ولدتُ بحضنِ قافيةٍ وأختِمُ رحلتي معها

وغايةُ شهوةِ الكلماتِ أنْ تغتالَ مبدِعَها

الحضور الخاطف الذي يضيء العالم، ويختفي بعد أن عرَّف الناس على النور؛ لذلك قضى أحمد بخيت عمره كله -وقد جاوزَ الستِّينَ الآن- أسيرَ هذا الظهور المتقطع حتى في مشاركاته الشعرية، كأنما في كل ظهور يولد من جديد، ثم يموت ويختفي، كل ظهور حياة، وكل غياب موت، وعمره في كل مرة ثابت، عمر البرق، أو عمر الشِّهاب، وعلى متابعيه أن يحصوا ميتاته وحيواته:

عمَّا قليلٍ سوف أبلغُ موطِني

وأُضيءُ محترقًا كأيِّ شهابِ

    وعلى مستوى الأداء، أحمد بخيت ليس شاعر المانشتات الثورية، وإنما شاعر العقود المتلألئة، تشع أبياته مجتمعة، ويشع كل بيت منفردًا كاللؤلؤة الفريدة، وهو في ذلك يحافظ على الغلالة الشفيفة التي تغلف المعنى دون أن تطمسه، وتحول دون تورطه في المجابهة الصريحة، وتحفظ للأداء انفتاحه على الاحتمال، وهذا هو السر الذي يرتفع بشعره على المناسبة الضيقة ليكون شعر كل العصور، خالدًا ما بقيت العربية، وفي سبيل أن يبقى الأداء مفتوحًا يُمارِس استراتيجيات الكشط المستمر؛ إذ يُهدي -على سبيل المثال- أغلب دواوينه إلى مجهول، يكتفي بوضع نقاط مكان الاسم، غير مصرح باسم أو صفة أو كنية، ونادرًا ما يتورط في الوقائع؛ ليظل الوجود دائمًا وأبدًا، كما يقول مارتن هايدجر، تحت كشطة، وخير دليل على ذلك قصيدته في الحسين رضي الله عنه، وهي شخصية شائكة؛ نظرًا للتشابكات المذهبية، والكتابة عنها بما أحاطها من حضور أسطوري نادرًا ما ينجو من أن يتورط، لكن أحمد بخيت يمشي على الشَّعْرة الدقيقة التي لا تُغْضِب هؤلاء ولا أولئك، قصيدة ذات وجهين، يقرأها كل فريق فيجدها متسقةً مع معتقده، وهو إذ يفعل ذلك لا ينسى أثناء هذا الأداء المتوازن أن يُوَقِّع التوقيع الذي يَشي بحل المعادلة الصعبة؛ فيذكر الأزهر الذي يجمع الفريقين: السنة والشيعة معًا بحكم التاريخ وتحولاته:

يأتي زمانٌ والمودةُ غربةٌ

والكُرْهُ بلدتنا التي نستعمِرُ

بايعتُ عن نجباء مصرَ جميعهم

وأنا ابنُ وادي النيلِ واسمي الأزهرُ

هذا؛ ولا تستغرقه في شعره الرموز التاريخية وإشاراتها؛ بل يستخدمها كالمقبِّلات التي تُعطي للطبخة نكهتها المميزة، غير مضطرٍ القارئ إلى أن يفتح المعاجم أو أن يقوم ببحث ثقافي، ويغلب على استخدامه الرمز أو الإشارة الاكتفاء بالشائع المتداول يختار لهما وقتهما الذي يكهرب الحالة، مسًّا خفيفًا لا يلبث أن يغادره، وهو إذ يغادر إلى رمز آخر أو إشارة أخرى يلتزم الاستراتيجية ذاتها؛ فتتعاضد الرموز والإشارات في رسم فسيفساء الدلالة المزركشة، علوًّا بالجمال، وإلحاحًا على المعنى وترسيخًا له وتوطينًا:

جواري روايات عصرِ الرشيد

قتلنَ أبا الفرج الأصفهاني

أمِنْ عربٍ فوقَ ظهرِ الخيولِ

إلى عربٍ في كتابِ الأغاني؟!

هذان البيتان بما مسَّهما من إشارات ورموز: (الرشيد، وأبو الفرج الأصفهاني، وكتاب الأغاني) استطاعا أن يوصلا الرسالة الشعرية، مبتعدين تمامًا عن الاصطدام الفَجّ بالسُّلطة، التي لو كانت حاضرةً لصفَّقت له وهي جالسة في الصفوف الأولى، رخصة تُوهَب لكل فنان، وللفن سلطان فوق كل سلطان.

وإضافةً إلى تعشيق الرموز والإشارات في التركيب والبنية تعشيقًا مثاليًا حدَّ الإذابة يأتي التعامل مع الأسلاف لا على سبيل المعارضة الصريحة، ولكن على سبيل استحضار النماذج العليا للفن التي أثرت في أحمد بخيت، النماذج السيارة؛ إذ يبدو ظهور الأسلاف غاية في الشحوب، بما توفرت لديه من قدرة هائلة على طمس الأثر، فقد نصادف نونيَّة كنونيَّة هاشم الرفاعي؛ لكنها ليست هي، وقد نصادف كافيَّة ككافيَّة شوقي لكن البون شاسع، وقد نصادف داليَّة كداليَّة المتنبي.. وهلم جرا، لكن في كل الأحوال ليست هي إياها:

تنسى المواعيد تنسانا المواعيدُ

حتى البلابل تنساها الأغاريدُ

تنسى المقاعدُ عطري مثلما نسيَت

صوتَ التلاميذ في الصيف الأناشيدُ

   وبالتكنيكين نفسيهما: المقابلات، والتوقيع، يلجأ إلى الألفاظ العامية بُغيَة تفصيحها، وتقريبًا للشعر من الجمهور، وإنعاشًا للغة وكهربةً للحالة، وغمزًا للجمهور غير المصري وتنبيهًا لمصريته، وكذلك يفعل مع الألفاظ الأجنبية، والألفاظ الدارجة، وأسماء الأعلام:

يكفي لتكتملَ الرسالةُ أن ترى

وتكونَ أحمدَ كيْ تضمَّ خديجَتَكْ

    هذا عن أحمد بخيت الذي أعرف، أما عن أحمد بخيت الذي لا أعرف؛ فيقود انقلابًا ناعمًا على ذاته، انقلابًا يقف من ورائه إحساسه العالي بالتفرد، ورفضه الشديد للتكرار، وهو ما أسميه آخَر أحمد بخيت المُقاوِم، الذي يرفض الرضا التام عن نفسه، أحمد البَرِّي في مقابل أحمد العارف، أو بتعبير آخر الفطرة في مقابل الخبرة، الأمر الذي يدفعه إلى انسلاخات أو محاولات انسلاخ تصل أحيانًا إلى حد الغرابة، وبخاصة حين يريد أن يُعَقْلِن أساطيره الشعرية الذائعة، بإعادة النظر العقلي فيها منقِّحًا، والغرابة لا تأتي إذا كان الدافع وراء التنقيح فنيًّا، وإنما تأتي الغرابة -في أغلب الظن- إذا كان التنقيح لأسباب نفسية، وربما يتفرد أحمد بخيت بهذا المسلك من بين الشعراء جميعًا، وقد يكون لأنه عاش ورأى ذيوع شعره بعينيه، وهيمنة صوته على غيره، وهو انسلاخ يصل إلى حد النفور، وكراهية أن يتقاطع مع صوته وقد صارت الكثرة تستعيره وتملأ به الساحات، وهي أزمة نادرة لم يتعرض لها شاعر كما تعرض لها أحمد بخيت!

    وربما يفرح غيره بهذا لو كان في مكانه، لكن ما يُفْرِح غيره لا يفرحه، لقد وصلت غيرته على صوته أنه حين يسمعه من الآخرين ينكره، وصلت غيرته على صوته إلى حد إنكار صوته. في إنشاده الأول لقصيدته: “سلام على الحب” في جماعة الشعر بكلية دار العلوم، وكان معيدًا وقتها، قبل أن يترك الجامعة للشعر، وقد جاء بصحبة رائد الجماعة د. مصطفى عراقي (رحمه الله)، وكنت وقتها طالبًا بالفرقة الثانية بالكلية، حاضرًا هذا اللقاء، وسمعتها منه برواية غير الرواية المثبتة في هذه المجموعة:

سيأتي صباحٌ بلا عاشِقِين

بلا أغنياتٍ ولا ملهمين

سيأتي صباحٌ تحِنِّينَ فيه

إلى العطرِ والحبِّ والياسمين

إلى قُبْلةٍ لم تنَلْها الشِّفاهُ

إلى موعدٍ دونما آخرين

وها هي تتحول هنا إلى:

غدًا في صباحٍ بلا عاشِقِين

بلا أغنياتٍ ولا ملهمينْ

ستصحو الحديقةُ من نومِها

وتفتقِدُ العِطْرَ والياسَمينْ

وتبكي الوسائدُ.. تبكي المناديلُ

تبكي وقد جفَّ وردُ العيونْ

على قُبلَةٍ لم تنَلْها الشفاهُ

على موعدٍ دونَما آخرينْ

غيرة تصِل إلى درجة إفساد النص، وتبديد طاقته الروحية، وكذلك يفعل في قصيدته “ركعة الشاهد”؛ فيقول: “أمشي معي أمشي”، وقد كانت “أمشي لكي أمشي”:

أمشي لكي أمشي وتلك إجابتي

عن فوضويَّةِ هذه الأعضاءِ

وربما يُسْقِط بيتًا كاملًا:

على موعدِ الحُبِّ نحن التَقَينا

بشوقِ العصافير للمنبعِ

من قصيدته التي يقول فيها:

فقيرٌ أنا غيرَ أنَّ النجومَ

تنامُ كثيرًا على إصبَعي

ولستُ وسيمًا ولكنني

أكون وسيمًا وأنتِ معي

إن تدخُّل العقل المعرفي عند أحمد بخيت كثيرًا ما ينزع عن الأداء أسطوريته، حتى ولو كان الدافع نفسيًّا كما ذكرت، وأرجو ألا يكون الدافع هو النسيان، وإلَّا فما الذي يجعله يستبدل بكلمة “أكفاني” كلمة “ديواني” في قوله:

وإذا ذوى وَردي الجميلُ فربما

يتضوَّعُ النعناع من أكفاني

إن قراءة القصيدة كاملة التي منها هذا البيت لا يمكن أن تنتمي كلمة “ديواني” لعالمها، ناهيك عن أنها تحرف التلقي عن الأنا الكلية إلى الأنا الخاصة، عن الإنسان إلى الشخص.

    أمر آخر يتعلق بمسألة التنقيح إلى جانب الاستبدال والحذف اللذين يمارسهما أحمد بخيت على قصائده في سياق الحديث عن الانقلاب الناعم على الذات، يتمحور في إسقاط المثير وعدم ذكر الملهِم، وربما يقف وراء ذلك كما سبق وذكرت في أن يظل النص مفتوحًا على الجميع، كما فعل في إسقاط الإهداء لأبي همام (عبد اللطيف عبد الحليم)، أستاذنا في دار العلوم – رحمه الله، في قصيدته: “الفاتحون”:

ما الشعرُ إلا رجلٌ خارجٌ

من ذاتِهِ يرنو لها من كثبْ

قد يكون الدافع فنيًّا في هذه القصيدة التي تعالج سقوط الأندلس، مع إسقاط ذلك على الواقع العربي، وإن كان أبو همام الذي درس في إسبانيا كفؤًا لأن يكون قناعًا نموذجيًّا للحديث عن هذا الموضوع، ومع ذلك فمع التسليم بالدافع الفني في إسقاط الإهداء يبقى السؤال: لماذا أبقى أحمد بخيت على أسماء أخرى أهدى إليها قصائده، من مثل إهدائه قصيدة “حارس الضوء” إلى الكاتب بهاء طاهر على الرغم من أن القصيدة لا تمت له بصلة؟!

هذا ولا يفوت قارئ هذه المجموعة أن يتوقَّف أمام أطرف إهداءاته في ديوانه: “قمر جنوبي”، الذي أهداه إلى أمه قائلًا: “إلى أمي رتيبة محمد علي”، موقعًا تحته: “أحمد بن رتيبة”:

ومرَّ أبو الطيب المتنبي

وحيدًا كما ينبغي أن يكون

وإذا كنت قد أشرت سابقًا إلى أن أحمد بخيت لا يتورط في الرمز تورطًا كاملًا، ولا تستعبده الإشارة التاريخية، إنما يمسهما مسًّا خفيفًا، ويذكرهما كما هما؛ اعتمادًا على مغازلة المخزون الثقافي الجمعي لدى متلقيه، وانتقاء لأكثر التيمات وقْعًا كما فعل في قصيدته: “الحبيب صلى الله عليه وسلم” حين اكتفى من قصة يوسف عليه السلام بالقميص؛ نقلًا للقضية الفلسطينية من كونها مأساة سياسية إلى كونها مأساة إنسانية:

فوق القميصِ دمٌ فوق الضميرِ دمٌ

وما يزالون من هُونٍ إلى هُونِ

أقول: إذا كنت قد أشرتُ سابقًا إلى ذلك أثناء الحديث عن أحمد بخيت الذي أعرف، فإنَّ أحمد بخيت المقاوِم لأحمد بخيت المتحقِّق الذي ملأ الدنيا وشغل الناس – يعمل على تقويض ذلك؛ ويحاول فتح مناطق أخرى من خلال إلباسه الرمز قصيدةً كاملةً، انصرافًا عن معالجته معالجة جزئية كما تقدم إلى معالجته معالجة كلية، حالة ليست شائعة في استراتيجيات الكتابة لديه، ومنحى مقاوم نطالعه في قصيدته: “من عنترة إلى أبيه”، وهي قصيدة من قصائد البدايات، يتخذ فيها من شخصية عنترة رمزًا كليًّا للعربي المسحوق تحت واقعه القاسي:

لآخر لحظةٍ في العُمْرِ وحدي

وأنت ووجهُكَ القَبَلِيّ ضِدِّي

تُقامِر بي لكي تبتاع عِقْدًا

لفاطمةٍ وأقراطًا لهِنْدِ

لا يبهظ أحمد بخيت قصائده بالمحمولات الثقافية المعقدة، لكنَّ آخَرَ أحمد بخيت المقاوم يدفعه إلى البحث الثقافي، والتفلسُف، والتأويل:

تعلَّمْتُ تأويلَ النبوءاتِ ها هُنا

وفي أوَّلي أبصرتُ آخِرَ آخِري

البحث كما في قصيدة: “وداعًا أيتها الصحراء”، وهي قصيدة متقدِّمَة في رحلته الشعرية من حيث الزمن، راجَع فيها تاريخ الشعر العربي، وقدَّم لها مقدمة نثرية، وذيَّلها بمعاجم غير تقليدية، لا تخلو من سخرية؛ بحيث لا يمكن أن ينفك الجانب النثري عن الجانب الشعري فيها، فكلاهما يكمل أحدهما الآخر، وكان الغرض من ذلك أن يبرز التناقض الصارخ بين واقع العالم العربي والتحولات التي يشهدها العالم مع دخول عصر الحاسوب، القصيدة تقدم رثاءً لكل ما هو روحي في مقابل الزحف المادي للعصر، وأغلب الظن أن هذه القصيدة تعكس رغبة مبكرة في كتابة المسرح الشعري، وأتمنى أن يفرغ أحمد بخيت أخيرًا لكتابة المسرح فقد آن الأوان، وهو واجب فني ضروري لا بد أن يؤديه. أما عن التفلسف فقد خلصت له ثلاث قصائد طوال، تقترب في حجمها من حجم الملاحم الشعرية، هي القاهرة، والحادي، والناقوس، انتقل فيها من السؤال الذي كان يصل إلى درجة التجديف المهذب أحيانًا إلى محاولة الإجابة عن عذاب الإنسان:

وسوف تدقُّ بابَ اللهِ يومًا

وتسأله بتجديفٍ مُهَذَّبْ

ألم يَكُ كل هذ الحزنِ يكفي

لترضى عن خليفَتِكَ المُعَذَّبْ؟

 

إيمانًا بأن الحياة تجربة إنسانية، وعلى الإنسان أن يجد الحلول، أو على أقل تقدير أن يجد الطريق للتعايش مع المعضلات، استمرارًا لها وتكيفًا معها:

ألم تعطني أنتَ هذا الترابَ

لأطلعَ منه البهاء النبيلا

    في هذه المطولات الثلاث يحاول أحمد بخيت أن يتحلى بإيجابية الفيلسوف؛ ليفهم ما حدث، أو ما كان، على طريقة أبي العلاء المعري، وكُتَّاب الملاحم كهوميروس، وجون ميلتن؛ فيقدم في قصيدة “القاهرة” مراجعةً شاملة لمصر وعلاقتها بالعالم، يفتش عن الأجوبة وسط ركام التفاصيل والأحداث والشخصيات: يحيى حقي، ونجيب محفوظ، وأم كلثوم، وبليغ حمدي، ومحمد عبد الوهاب، وأبو زيد الهلالي، وبو عزيزي، وأوباما، وكوندليزا رايس، وفرجيل، وأوديسيوس، وهومير، وراحيل، وآخيل، ونابليون، وشامبليون، .. وهلم جرا؛ ليجيب عن السؤال: ماذا حدث لثورة يناير؟ ويصل إلى قرار موجيٍّ مفاده أن هذا يحدث وعلى الإنسان أن يتقبَّلَه:

يا وردةَ الميدانِ يا اسمَ قصيدةٍ

لم تكتمِلْ.. يا حلمُ يا مثكولُ

ما من مصادفةٍ وأول خطوةٍ

أخت الأخيرة والطريق طويلُ

تُلقي الحياةُ على الحياةِ سؤالَها

ويدور ذاتُ الدورة البندولُ

وكذلك يفعل في قصيدة: “الحادي”، وإن أخذت المعالجة شكلًا مغايرًا في قصيدة: “الناقوس” التي تُذَكِّر بلزوميات أبي العلاء المعري.

    أقول: إن هذا الانقلاب الناعم عائدٌ إلى أن أحمد بخيت لا يُحِبُّ أن يكرِّرَ ذاتَهُ، أو يكرر غيره، أو يكرره غيره؛ فالشعر عنده هو المنقذ من التكرار:

الشعر يُشْبِهُ أن تعيشَ بغزةٍ

لا طِفْلَ يرجعُ مرَّتَيْن لأمِّهِ

فعلى المستوى الإيقاعي يقود آخَرُ أحمد بخيت تمردًا على إيقاعاته المستأنسة، وقوافيه المدجنة، لكنه تمرُّد خافتٌ أمام سيادة هذه الإيقاعات وهذه القوافي، تمرد لا يصل إلى أن يحرك الكتلة الحرجة، وبتوصيف دقيق، يظل واقعًا في دائرة الاعتراض، بعيدًا عن دائرة الثورة الإيقاعية، وبخاصة حين تستحوذ بحور كبحر الكامل، والبسيط، والمتقارب، والوافر على النصيب الأعلى في الكتابة، في مقابل بحور أخرى كالطويل، والخفيف، والسريع، والمديد، والرمل، والمجتث، وأخيرًا المنسرح؛ إذ كتب عليها قصائد معدودة. والأمر ذاته يمكن أن ينسحب على قوافيه؛ إذ تتراجع نسب القوافي التي تتخذ رويًّا من حروف كالضاد، والذال، والزاي، والعين، والشين أمام حروف المعجم الأخرى، وإن كنت مع المذهب الذي يقول: البحر لا يصنع الشعر، الشعر هو الذي يصنع البحر، وكذلك القافية؛ فالشعر يبدأ من أول السطر لا من آخره، غير أنني أستطيع أن أقول مطمئنًّا: إن مراجعة هذه القصائد المتمردة عند أحمد بخيت مراجعة سريعة تُطْلِعُنا على أنها استفزَّت إمكاناته، وغيَّرت معجمه. أحمد بخيت يستطيع التمرد على أحمد بخيت، أحمد بخيت الذي كتب قصيدة كاملة على قافية من كلمة واحدة، هي تونس:

ستنجو أمةٌ من حوتِ يونُس

وأول شاطئ الأحرار تونُس

أأُخطِئُ في اسم أولادي لأني

أناديهم جميعًا باسم تونس؟