كيف تمكَّنَ الشَّرْقُ من شاعر روسيا الأول “ألكسندر بوشكِن”؟! | عباس ثائر

عباس ثائر

شاعر وكاتب عراقي

ما كانت لحظة عابرة، ولا لذة ثقافية زائلة، ولا حدثًا آنيًّا، في حياته الشعرية، اقترابه من الشرق. بل كان انقلابًا داخليًا وتحولًا ثوريًا عميقًا، أعاد تشكيل رؤيته للشعر وتصحيح نظرته نحو العالم. فمنذ أن أقام قسرًا في مدينة ميخايلوفْسْكويِه، أطل بوشكِن من شرفتها على عالم آخر، عالم يقوده الكَلِم، رَائيًا ما لم يَرَه أو يجده في الغرب: الحكمة، والبعد الأخلاقي المعرفي، والصوت الإنساني، الذي يتخطى الزمكانية.

في تلك السنوات التي عاشها صاحبُنا في مدينة ميخايلوفْسْكويِه المقسور عليها، كان يقرأ القرآن والشعر الفارسي، وهذا الذي مكَّنه لاحقًا من إعادة النظر في معنى الشاعر ودوره، لتنبثق من وحيه الروحي إلى الوجود تجربة شعرية جديدة ثرَّة مغامرة، على هيئة قصيدة، مؤلفة من تسعة مقاطع، كانت أكثر تجاربه إثارة للجدل: «محاكاة القرآن».

لمْ تكن هذه القصيدة ذات النبرة الجديدة على صاحبها ومن يتلقاها، تقليدًا دينيًا، ولا محاولة غريزية لأن تمثل الإسلام من داخله، إنَّما كانت في أصلها قراءة الشاعر لنصٍّ أدرك فيه بلوغَ القوة والجلال أقصى بلوغ. وجد نَصًّا يشفي اللغة من نحولها، ويسرج الضوءَ في الضمير ليوقِظَه. وقد أدرك بوشكِن الفرادة التي أوغل فيها القرآن بصفتها نصًّا لمْ يكُ له كفؤ شبيه، لكنه حين تلقاه قد احتسبه نصًّا أخلاقيًا وشعريًا، وليس نصًّا من “الوحي الديني” وهو ما يوضح قولته في واحدة من رسائله: «أعمل في سبيل مجد القرآن»، ولمْ يقل في سبيل مجد الله، هذه العبارة بيَّنَت المسافة التي حددها “شمس الشعر الروسي” بين الإعجاب الأدبي والاعتقاد الديني.

إن اللافت في قصيدته «محاكاة القرآن» ما يبدو من خلالها أنه لمْ يكتفِ بقراءة القرآن، بل تخطَّى ذلك، إذ يبدو أنه اطَّلع على سيرة النبي، فقد صوَّر صورةً للنبي العربي تقترب ملامحها بعض الشيء من الواقع التاريخي. ومع هذا، فإن هذه المعرفة ما كانت عميقةً بما فيه الكفاية لتكون معرفة «من الداخل» بل هي نظرة القارئ المتفحص المبهور، رأى في النصِّ الذي قرأه درَّةً أخلاقية وروحًا شعرية كبرى، أي أنه أمسك طاقة جبارة فجعل منها مرآة لأسئلته الخاصة. وقد تناست الصحافةُ والإعلام الروسي آنذاك هذه التجربة “البوشكنشرقية” لكنَّ ناقدًا كبيرًا مثل فيساريون بلنسكي التقط صميمها مبكرًا إذ قال: “إن العمل الفني العميق لا يُفهم من القراءة الأولى، بل ينكشف طبقة بعد أخرى، كما تنكشف الكتب المقدسة لقرَّائها مع تكرار التلاوة”.

إنَّ مغناطيس الشرق المعرفي لمْ يتوقَّف عند جذب بوشكِن إلى القرآن فحسب، بل يجد القارئ في شعره -أحيانًا- تتمظهر آثار بيضاء للشاعرين الفارسيين الصوفيين سعدي الشيرازي وحافظ الشيرازي، وعلى الرغم من الافتقار إلى الدليل القاطع على أنه قد اطَّلَع مباشرةً على نصوصهما في ترجمات مبكرة، لكن حضورهما كنسق مضمرٍ في كثير من نصوصه الشعرية لا يخطئه قارئ متفحِّص متأنٍّ؛ فلطالما ذكر اسميهما معًا، واصفًا إياهما «زهرتا الشِّعر الشرقي».

في قصيدته «من حافظ/ معسكر على الفرات»، التي كتبها عندما استقر به الحال في ما وراء القوقاز، قد يبدو التداخل بين التجربة الشخصية والرمز الشرقي ملحوظًا. فإنَّ الحرب في القصيدة لمْ تكن سوى خلفية، بل لمْ تكن إلَّا قناعًا وإن كانت هناك دلالات تشير إلى رفضها لها، كقوله: «لكنِّي أخشى، في خضم المعارك، أن تفقد خجلك الرقيق في الحركات…إلخ»، أما اللُّبُّ الحقيقي فهو الغربة، والاختبار الوجودي، والجمال بصفتها منقذًا وخلاصًا. وحين يذكر ملك الموت عزرائيل في القصيدة ذاتها: «عزرائيل بين السيوف، سيبصر جمالك؛ فيرحمك»، فإنه لا يشير إليه محتسبًا إياه تهديدًا، بل عادَّهُ قوةً خلَّاقةً تُبصِر الجمال فتتراجع عن سحْقِه، مثلما تراجعت المحنة الكبرى أمام جمال ابن يعقوب، يوسف النبي، في الميثولوجيا الإسلامية. وهنا تكمن الحقيقة، عندما يلتقي الشاعر الروسي بوشكِن في شعره مع روح الغزل الصوفي في شعر الشاعر الفارسي الصوفي حافظ الشيرازي، إذ أصبحت القصيدة الغزلية ستارًا وقناعًا لتجربة أبعد وأعمق: إنها الصراع مع الحياة، والصبر، والنجاة.

لكن الأثر الأبعد والأعمق في مسيرته قد ورد من ذي الحكمة المعتقة، الشاعر الفارسي سعدي الشيرازي، الذي وجد «ساشا» فيه عينةً مبهرة فريدة للشاعر الأخلاقي، المتوازن بين الجمال والمعنى. إنَّ حضور سعدي في شعر بوشكِن ما كان اقتباسًا عابرًا أو توارد معنى أو تناصَّ فكرة أو تركيبة لغوية، إنَّما كان حضورَ رؤيةٍ كاملةٍ؛ فقد تردَّد صدى حكمته في أكثر من عمل من أعماله، من «نافورة باخشي سراي» إلى خاتمة «يفغيني أونيغين»، إذ أعاد قوله: «لم يعد بعضهم موجودًا، وآخرون باتوا بعيدين».

أما قصيدة «العنب»، فقد كتب بوشكِن واحدة من أنقى وأصفى لحظاته الشعرية، عندما قارن بين ورد الربيع الزائل وثمر العنب الناضج في الخريف، في مفاضلة طيبة هادئة بين جمال سريع وامتلاء متأنٍّ. يرى بعض النقاد الروس في هذه القصيدة «أنفاسًا من كتابات سعدي»، غالبًا من كتابيه «بوستان وگلستان» لقد نجح وتفوق بوشكِن في مزج الروح الفارسية الكلاسيكية بالبنية الروسية، من دون تقليد واجترار.

حتى قصيدته «محاكاة عربية»، هي تنبع -أيضًا- في أصلها من منابع سعدي، من حكاية له عن الصداقة والحب، إذ يتماهى شخصان ليصبحا «كجوزتين في قشرة واحدة» ولا غرابة في الأمر، فقد زار ابنُ شيراز بغداد، وكتب باللغة العربية -على قِلَّةِ ما كتب- قصيدته الرائية «رثاء بغداد» إثر احتلالها على يد المغول، كما كتب بالفارسية -على كثرة ما كتب-، فكان حقًّا الجسر الأسلم بين ثقافتين، وربما دخان الاحتراق في بغداد وصل إلى بوشكِن عبر قصيدة سعدي، أو من خلال قراءته لسيرته فقرر أن يسمي عتبة النصِّ محاكاة عربية، تيمُّنًا بسعدي الذي رثى بغداد في رائيته.

وهكذا، بين القرآن وسعدي وحافظ، تشكَّل في شِعر بوشكِن شرقٌ آخر، شرقٌ حكيم معرفي ذو سؤال أخلاقي، ليس الشرق الأسطوري النزعة. وقد غيَّر هذا اللقاء مسار صاحبِ “ابنة الضابط” تغييرًا لا رجعة بعده. فإذا كان بوشكِن في بداياته شاعرًا غربيَّ الملامح، فإن سنوات ميخايلوفْسْكويِه جعلته شاعرًا كونيًا، يرى في الشرق مرآةً أخرى للإنسان، وللشعر، وللمصير.

بعد تلك المرحلة، لمْ يَعُدْ الشرق ضيفًا في شعر بوشكِن، بل صار جزءًا من صوته الشعري، وضوءًا في نظرته إلى العالم. وهنا، ربما يكمن سرُّ فرادة مؤسِّس الشعر الروسي الحديث؛ أنه وَجَدَ في القرآن والشاعرين الفارسيين الصوفيين ما يُعيد إليه معنى الشعر نفسه!

الفيسبوك
منصة X
لينكدان
واتساب
طباعة
0
    0
    سلة المشتريات
    السلة فارغة