شميسة النعماني تزرع الريح قمحًا ولغة | عمر الراجي

عمر الراجي

شاعر وكاتب مغربي

لم يعد سؤال الحداثة في النص الشعري يثير الجدل كما كان في السابق. ذلك أن التحديث بوصفه حالة بنيوية في النص أصبح اليوم يتجاوز الشكل إلى ما هو أعمق. نتحدث اليوم عن سعي جمالي حثيث يروم تحديث الرؤية الشعرية وخلق الأفكار، ويعبِّر عن نضج التجربة التي ينبغي أن تنمو معها قصيدة حديثة تجايل سياقها العام والخاص. كما لم يعد يقتصر مسار التجاوز في الشعر العربي المعاصر على خلق الفارق في الشكل أو صنع قوالب فنية لا تفعل شيئًا سوى التنويع في حركة الإيقاع. بل أصبح هذا التحديث بالأحرى حفْرًا مُضْنيًا في جماليات النص الداخلية، وبحثًا عن “الَّلا مُتاح” من سماء الإدهاش والتأويل والسؤال.

وفي إطار قراءتنا لديوان الشاعرة العمانية شميسة النعماني “سأزرع في الريح قمحي“، والذي يتضمن عشرين مقطوعة شعرية تتنوع فيها الأشكال وتتحد في قيمة فنية واحدة هي السعي إلى التحديث الواعي. يبدو القالب الشعري الغالب تفعيليًّا، وتصبح معه الحاجة إلى الانسجام بين هذا الاختيار الجمالي الحديث وبين مضمون القصيدة الثقافي شرطًا أساسيًّا لا غنى عنه.

“سأزرع في الريح قمحي” للشاعرة العمانية شميسة النعماني مجموعة شعرية تعِدُنا بأمطار غزيرة من القصيد العذب. وتحملنا معها إلى عوالم من الوعي المتقد بالقلق والأسئلة، وتفاصيل عميقة من السرد الشعري الشفيف. إنه سرد محكم يَعِدُ كل مرة بشيء آخر لم يكشف عنه النص في البدايات. ما يجعلنا باستمرار نبحث في التفاصيل عن أجوبة متمنِّعة، ونخفق في كل مرة. لقد أتقنت الشاعرة هذا الأسلوب الذي يلاعب القصيدة بمهارة اللغة وكثافة المجاز، في عالم من الشعر يشي بالغموض وتتخلَّله مساحات واسعة من الأمل الذي تبعثه كما تصف “إلى المفتونين بالحياة”. إلى أولئك الذين يبعثرون الريح والقمح كما شاؤوا، وشاءت لهم الحياة.

“أنا لا أحد” مفتتح من الشعر التفعيلي يجعلنا نقف عند فكرة النفي المقصود للأنا/الذات. وهو بلا شك موضوع جوهري في الشعر الحديث على مستوى العالم ككل. إنه نفي عابر للذات الشاعرة وإثبات لشعريَّتِها في الآن نفسه. وهو في القصيدة نوعٌ من مساءلة العالم عن موقع الذات الإنسانية فيه، وهي التي تضمحِلُ وتتضاءل أمام سطوة الحياة وجبروتها.

“أنا لا أحَدْ،

أنا يأسُ آمالٍ لها جَزرٌ وَمَدْ

أنا صوتُ ريحٍ أرهَقَتْ عَزْمَ الْوَتَدْ”.

هكذا تنفي الشاعرة عنها تهمة الوجود، وذلك ديدن الشعراء في كل العصور. لكن ربط الشاعرة بعد ذلك لحالة النفي والاغتراب الوجودي بعناصر أخرى تمثلها الريح واليأس وحركة المدّ والجزر، يبدو وكأنه إيحاء رمزي مقصود يدل على نوع آخر من التشكُّل الوجودي الذي يمثله النّفَس الشعري. من هذا المنطلق، تنتفي ذات الشاعرة لتتحقق شعرًا. وتذكِّر هذه النزعة باتجاه فلسفي أسَّس له الفرنسي موريس بلانشو في كتابه (الفضاء الأدبي) مُركّزًا على دور الأدب في تفكيك الذات الإنسانية.

“أنا دمعةُ الحزنِ التي شاخَتْ على وجه الحياةِ تجُولُ من خدٍّ لِخَدْ

أنا جمرةٌ المعنى التي انطفأتْ،

ولا سِحْرٌ يُعيدُ الرُّوحَ في جسدٍ هَمَدْ

أنا أبجديَّةُ غائبٍ فرَّتْ إلى الأوطانِ يسألُها الحنينُ عن الْمَدَدْ”.

في هذا المقطع الشعري المكثف تتكشَّف جملة من الأمور التي يمكن الإشارة إليها على شكل ملاحظات رئيسية تميط اللثام عما أسميناه منذ البداية: سعيًا إلى الحداثة الواعية. أولى هذه الملاحظات هي اللغة التي ترتدي ثوبًا من الرموز وترسخ بها الشاعرة خصوصية تجربتها الوجودية. فجمرة المعنى تحيل على مأزق القصيدة ومحنة الأسئلة ومخاض الوصول إلى الأفكار العالية، حيث تشتعل الروح وتقبض الكلمات على جمر الشعر كي تبلغ منه القصيدة أخيرًا أفُقَ المعنى. إنها طاقة شعرية يتجدد فيها الخيال ويمتد إلى ما هو أكبر من الصور والاستعارات الطارئة. في هذا المنحى يصبح الخيال ذا دلالات فكرية تصنع وجودًا فنيًّا يعوض غياب الذات واغترابها في دروب الحياة الحقيقية. هكذا تحضر “الأبجدية” كناية عن اللغة الشعرية وتصبح طاقة الكلمات هي الدليل الذي يرشد الغائب ويعيده بأجنحة الحنين إلى وطنه الغائب في الحياة، وهو الحاضر دومًا في اللغة.

فكرة الوطن هي الأخرى جزء من سعي الشاعرة إلى التحديث بوعي فكري تصبح معه القصائد حمَّالة للمعنى وللهم الفكري الذي يؤرق الإنسان المعاصر. ذلك الإنسان المحاصر بصرخاته وقلقه إزاء الوجود والحياة والواقع المعيش، يومًا بيوم ولحظة بلحظة. ويذكر هذا أيضًا باتجاه فلسفي في الشعر جسَّده إليوت في (الأرض اليباب) حين قدَّم الوطن كرمز عاطفي للهوية الثقافية المفقودة.

“وطني دِثاري” قصيدة في الديوان تعيد تعريف الوطن بما هو أبعد من حدود البداهة وأكبر من المعنى الأرضي للبلاد. الشاعرة في هذا الجزء لا تعرِّف الوطن بما يتيحه لها الواقع من تفاسير جزئية مقتضبة. بل تجعل لهذا الوطن الحقيقي/الرمزي سُلطةً فلسفية على اللغة تطوِّعها الشاعرة جاعلة من المجاز جناحًا تطير به الأخيلة نحو معانٍ أخرى للوطن تتعدد بتعدد الأفكار وتتوحَّد في عذوبة الشعر.

“وطني الذي احتَشَدتْ له الأسماءُ والرؤيا

يصُفُّ النُّور في مُقَلِ النُّسُورِ

يُوزِّعُ الأيام في قِممِ النَّهارِ

وطني حكايا النخلِ وابنُ شموخِها

بيتُ القصيدةِ والوتدْ

وعلى خُطاهُ سُلالةُ الحجرِ القديمةِ أخصَبَتْ ضوءًا

وشبَّ النّاسُ شمع الليلِ

يحتفلون بالوطنِ الذي أسرى إليه الدربُ،

ممتشِقًا رؤى النَّارِ…”.

إنه الوطن الحقيقي الذي يعلو في سماء معناه فيصبح رمزًا ينضح بالأفكار العالية ويضج بالدلالات. هو وطن محتشدٌ بالأسماء وبالرؤيا. وهو بذلك متجدد ومبدع ومستشرف للأفق البعيد. وهو نفسه الوطن من يبعث النور ويمتشق رؤى النار. كل هذه الصفات الماورائية تمنحها الشاعرة للوطن فترتفع سماء التأويل في النص وأفكاره، وتلك سمة حداثية بارزة في الشعر المعاصر. ذلك الشعر المتجاوِز، الذي لا يكتفي برسم ملامح الحداثة في الشكل، بل يفتح بالنص أبواب الرؤى ويصنع من الخيال رؤية الشعراء الخاصة لما يكتبون عنه. نجد هذه الميزة في شعر شميسة النعماني حاضرة بقوة من خلال قراءتنا التأويلية لنصوص الديوان. كما نلمس أيضًا تلك النفحة الحداثية في الرؤية عند شميسة النعماني، من خلال عدد من الجمل الشعرية داخل النص. إنها جمل مترابطة بنيويًّا، تعيد قراءة فكرة الوطن بصورة غير مطروقة. إذ تمزج بين مفهوم الوطن العادي والماورائيات، وتدفع القارئ إلى البحث في دلالة العلاقة بين الشاعر المعاصر وفكرة الوطن. ومن المعروف أن استضافة هذه المفاهيم العامة في الشعر يُعَدُّ سمة مميزة من سمات التحديث عمومًا. لكنه هنا يعتمد في اشتغاله على حِسٍّ واعٍ من الفكر والتحليل، داخل قالب جمالي يحفظ سمو اللغة الشعرية ويصون جمالها.

ويستمر هذا الدفق الشعري الحديث في العبور مُلامسًا حالات أخرى ومساحات غير مطروقة من الإحساس الواعي بصنع الفكرة والانتصار لجمالياتها شِعرًا. من ذلك بحث الشاعرة في قيم إنسانية كونية كقيمة الحب مثلًا. وهو حب لا تستحضره هي من منطلق غزلي مكرور، بل تربطه بعناصر الشعرية نفسها. فالمحبة كما الحُسن يتجليان بتجلي الكون والشعر والكلام.

“أحبُّكَ والبحرُ أنتَ

وأنتَ القصيدةُ عاليةً في بُروج الكلامْ

أحبّك والسِّحر أنتَ

وأنتَ “الصَّبا” في فنونِ المقامْ

أحبُّكَ كمْ يُشْبِهُ البحرُ صوتَك يا سدرةَ الروح يوم التَّجلِّي…”.

وتتضح في لغة هذا المقطع تلك النفحة الحداثية، وهذا الميل نحو ربط قيمة الحب بعناصر أخرى من صلب الشعر، كالقصيدة والكلام وفنون المقام. ولا يتعلق الأمر هنا “بالميثا شِعر” أو الشعر الذي يناقش الشعر، بقدر ما هو اختيار فني مدروس يعرِّف القيم الإنسانية الكبرى بعناصر جمالية فنية فريدة. هكذا يصبح الحُسن والجمال مرادفًا للقصيدة المتَّشِحَة بالسِّحر والعالية في بروج الكلام.

“لأنكِ أنثى

“تمُرّينَ فاتحةً للمواني…

سراجًا لقافيةٍ تتجلَّى

تكونينَ ماءَ المعاني

وأنتِ الحقيقةُ

لولاكِ ما هوَّمَتْ بالغيومِ النَّوارسُ

ما اكتنزَتْ بالحنينِ الحقائبُ

ما أزهرَتْ بالأغاني المزارعُ

ما رفِّ صمتُ الخُزامى وثارْ”.

لا شك أن قضية الأنوثة لا تقف عند عتبات الإبداع، بل هي موضوع يجد أثره في الأبحاث الفكرية والاجتماعية على نطاق واسع. ما تفعله القصيدة هنا هو أنها تربط خصوصية الأنوثة بالأسئلة الوجودية الكبرى، وبعناصر الجمال في الطبيعة، كي تجعل الأنثى شرطًا من شروط الثبات والطمأنينة والاتزان في الكون. وتتقاطع هذه الرؤية مع فكرة الاحتفاء الشعري بالخصوصيات، وبالتركيز على الهوامش الرمزية والمادية. عبر هذا السلم النفسي تحديدًا تكون قصائد الديوان قد ارتفعت إلى مستويات الحداثة الواعية.

وما يمكن قوله في الختام هو أن ديوان “سأزرع في الريح قمحي” يقدم صورة عن الكتابة الشعرية الجديدة والجادة التي تنتصر للتحديث وللقصيدة الحديثة. لا سيَّما تلك القصيدة التي تبتكر أسلوبها وتستند في بنائها على أبعاد ثقافية تعززها الرؤى وتحتفي بها اللغة.

الفيسبوك
منصة X
لينكدان
واتساب
طباعة
0
    0
    سلة المشتريات
    السلة فارغة